شمس اللبنانيين بين مسارين: تسهيلات لكبار المستثمرين وقيود على المواطن


“ليبانون ديبايت”- باسمة عطوي
تكشف مقارنة القرارات الحكومية الأخيرة المتعلقة بالطاقة الشمسية عن مفارقة صارخة في مقاربة الدولة اللبنانية لهذا القطاع. فمن جهة أولى، اختارت الدولة إنشاء مسار خاص لأحد عشر مشروعاً كبيراً لإنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، منحت أصحابها تراخيص لإنتاج الكهرباء وبيعها بموجب اتفاقيات شراء طاقة Power Purchase Agreements، بعد مفاوضات تتعلق بالشروط التجارية والمالية والتعرفة. وبذلك أصبح هؤلاء المستثمرون جزءاً من نموذج مركزي لإنتاج الطاقة وبيعها إلى مؤسسة كهرباء لبنان وفق عقود طويلة الأجل. ويشير قرار مجلس الوزراء نفسه إلى أن هذه المشاريع سبق أن مُنحت التراخيص، وأن اتفاقيات شراء الطاقة وُقعت معها، وأن الأسعار والتوازنات المالية للمشاريع تحددت في ضوء تلك الاتفاقيات.
وعندما استحدثت الدولة لاحقاً رسماً جديداً على المواد المنتجة للنفايات، لم تطلب من هذه الشركات تحمّل العبء الجديد أسوة بسائر المكلفين، بل اعتبرت أن فرضه عليها قد يؤدي إلى زيادة الكلفة الاستثمارية والإخلال بالأسس الاقتصادية والمالية التي بنيت عليها الأسعار المتعاقد عليها، وأنه قد يؤثر على قابلية المشاريع للتمويل. وانتهى الأمر إلى اقتراح إعفاء المشاريع الإحدى عشر من هذا الرسم بالنسبة إلى المعدات والتجهيزات والمواد المخصصة لإنشائها وتشغيلها، حفاظاً على «التوازن الاقتصادي والمالي» لهذه المشاريع.
في المقابل، عندما يتعلق الأمر بالمواطن أو صاحب مؤسسة صغيرة يريد تركيب منظومة للطاقة الشمسية تقل قدرتها عن 1.5 ميغاوات على سطح مبناه أو على أرض يملكها، تظهر الدولة بوجه مختلف تماماً. فالقرار المشترك الصادر عن وزراء الداخلية والبلديات والأشغال والطاقة أنشأ منظومة واسعة من الشروط الإدارية والفنية: طلب إلى البلدية أو القائمقام، مستندات ملكية وإفادات وتعهدات هندسية، مهندس إنشائي ومهندس كهربائي أو كهروميكانيكي، إفادة ارتفاق وتخطيط، خرائط، موافقات مالكين في بعض الحالات، شروط تفصيلية للارتفاعات والمسافات، موافقة إدارية، رسوم بلدية، وإشراف هندسي حتى انتهاء التنفيذ.
واللافت أن الدولة التي تبرر إعفاء المستثمرين الكبار من أعباء مالية جديدة حمايةً لجدوى استثماراتهم، لا تعتمد المنطق نفسه عندما يتعلق الأمر باستثمار المواطن في استقلاله الطاقوي. فبدلاً من تبسيط الإجراءات وتشجيع الأفراد والمؤسسات على إنتاج الكهرباء للاستهلاك الذاتي، تُنشأ طبقة إضافية من المعاملات والرسوم والموافقات.
المفارقة إذاً ليست بين مشروع كبير ومشروع صغير وحسب، بل بين فلسفتين متناقضتين في التنظيم: فلسفة تعتبر أن المستثمر الكبير يستحق حماية توازنه المالي وتسهيل تمويله واستقراره التعاقدي، وفلسفة أخرى تتعامل مع المواطن المنتج للطاقة باعتباره طالب رخصة يجب إخضاعه لسلسلة من الضوابط والرسوم والموافقات.
ولا يعني ذلك أن السلامة الإنشائية والكهربائية ليست ضرورية؛ فهي واجبة بلا نقاش، ولا سيما في الأبنية المشتركة أو عند إنشاء تجهيزات كبيرة. لكن السؤال المشروع هو: لماذا تتحول السلامة إلى جهاز بيروقراطي كامل عندما يتعلق الأمر بالمواطن، في حين تُستنفر الحكومة نفسها لإزالة الأعباء المالية وحماية الربحية عندما يتعلق الأمر بالمشاريع الاستثمارية الكبرى؟
والأكثر إثارة للنقاش أن نموذج المشاريع الإحدى عشر يقوم على تركيز إنتاج الطاقة الشمسية التجاري في عدد محدود من الشركات المرخصة التي تبيع الكهرباء ضمن عقود شراء طاقة، في وقت كان يفترض أن تكون الطاقة الشمسية بطبيعتها أداةً لـلامركزية الإنتاج وتمكين الأسر والمؤسسات والبلديات من تخفيض اعتمادها على الشبكة العامة.
وعليه، يمكن اختصار المشهد بالقول:
للمستثمر الكبير: ترخيص مركزي، عقد شراء طاقة، حماية للتوازن المالي، وإعفاء من الرسم المستحدث.
وللمواطن الذي يريد بضعة ألواح فوق منزله: بلدية، قائمقام، مهندسون، خرائط، موافقات، شروط ارتفاع ومسافات، ورسوم بلدية.
وهنا تصبح القضية أبعد من مجرد تنظيم فني للطاقة الشمسية؛ إنها سؤال عن لمن تصاغ السياسة العامة للطاقة في لبنان: لتوسيع حق اللبنانيين في إنتاج الكهرباء من الشمس، أم لتكريس نموذج مركزي يجعل استثمار الشمس امتيازاً اقتصادياً لعدد محدود من الشركات؟



