بعد بيان وكيله… هذه هي الوقائع التي لم يُجب عنها رياض سلامة


“ليبانون ديبايت”
صدر أمس بيان عن وكيل حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة، المحامي وسيم الغاوي، تناول فيه مسار التحقيق الجاري في الشكوى المقدمة من مصرف لبنان، محاولاً تقديم مجموعة من النقاط بوصفها أدلة تنفي الشبهات الملاحق بها موكله.
وركّز البيان بصورة أساسية على 5 نقاط: تنازل سلامة عن تقديم دفوع شكلية لتسريع التحقيق، وضعه الصحي، صدور القرارات عن المجلس المركزي لا عن الحاكم منفرداً، استرداد مصرف لبنان كامل قيمة القرض وتحقيقه ربحاً بقيمة 33 مليون دولار، وأخيراً أن التوقيف الاحتياطي لا يشكل دليلاً على الإدانة.
لكن هذه النقاط، عند وضعها في إطارها القانوني والمالي، لا تشكل أجوبة كافية عن جوهر الملف.
بداية، حاول البيان تصوير عدم تقديم الدفوع الشكلية على أنه تنازل استثنائي قدّمه سلامة لتسريع التحقيق. إلا أن الامتناع عن تقديم هذه الدفوع ليس “منّة” على القضاء، بل خيار دفاعي متاح لأي مدعى عليه، ويلجأ إليه موقوفون كثر لتجنب إطالة الإجراءات وتسريع البتّ في ملفاتهم.
هذا الخيار لا يثبت البراءة، تماماً كما أن تقديم الدفوع لا يثبت الإدانة أو المماطلة. وإذا كانت الدفوع التي يتحدث عنها الوكيل “جدية وكثيرة”، يبقى السؤال: لماذا جرى التلويح بها في الإعلام بدلاً من عرضها أمام المرجع القضائي المختص؟
أما النقطة الثانية، فتعلقت بالوضع الصحي لسلامة، إذ قال البيان إنه تجاوز ظروفه الصحية الصعبة وحضر جلسة التحقيق، موجهاً انتقاداً ساخراً إلى وسائل الإعلام التي تناولت حالته.
لكن الوضع الصحي لا يُحسم ببيانات الدفاع أو بالسجالات الإعلامية، بل بالتقارير الطبية الرسمية المعتمدة لدى القضاء. ووفق المعطيات المتوافرة، خلص تقرير طبي رسمي إلى إمكان متابعة علاجه مع توفير الرقابة الطبية اللازمة، كما خضع فعلياً لجلسة استجواب استمرت أكثر من 3 ساعات.
هذا لا يعني إنكار أي مشكلة صحية قد يعانيها سلامة، لكنه يعني أن تحديد مدى قدرته على المثول أو البقاء قيد التوقيف يعود إلى الأطباء والقضاء، لا إلى وكيله ولا إلى الإعلام.
وفي النقطة الثالثة، أكد البيان أن القرارات خلال ولاية سلامة لم تكن تصدر عنه بصورة أحادية، بل عن المجلس المركزي لمصرف لبنان، وأن دور الحاكم كان يقتصر على تنفيذها.
إلا أن صدور القرار عن المجلس المركزي لا يعفي الحاكم تلقائياً من أي مسؤولية محتملة. فالقرار الجماعي قد يوزّع المسؤوليات، لكنه لا يلغي التحقيق في دور كل طرف: من اقترح العملية؟ ما المعلومات التي عُرضت على المجلس؟ من تولى التنفيذ والتوقيع؟ وهل جرى الإفصاح عن المستفيدين الحقيقيين والمخاطر المرتبطة بها؟
وحاكم مصرف لبنان لم يكن موظفاً تنفيذياً بلا صلاحيات، بل كان يدير المصرف ويمثله ويوقّع باسمه ويتولى تنفيذ قرارات مجلسه المركزي. لذلك، فإن وجود قرار صادر عن المجلس قد يكون عنصراً دفاعياً، لكنه لا يمحو المسؤولية الشخصية عن أي فعل قد يثبت أنه شارك فيه أو كان على علم بأهدافه ونتائجه.
أما النقطة الأبرز في البيان، فهي التأكيد أن مصرف لبنان استرد كامل قيمة القرض وحقق ربحاً بلغ 33 مليون دولار، وبالتالي لم يتعرض لأي ضرر.
لكن هذه الحجة تختزل ملفاً معقداً بسؤال واحد: هل عاد أصل المال؟
السؤال القضائي والمالي أوسع بكثير: لماذا خرج المال؟ وبأي سند؟ ولمن مُنح؟ وعبر أي شركات مرّ؟ ومَن كان المستفيد الاقتصادي الحقيقي؟ وهل كان العائد متناسباً مع مدة العملية ومخاطرها وكلفة الأموال؟ وهل نُفذت العملية وفق شروط السوق وقواعد الإفصاح والرقابة؟
إن استرداد المال وتحقيق ربح، إذا ثبتا بتدقيق مستقل، لا يحسمان قانونية العملية منذ بدايتها. فقد تحقق عملية مالية عائداً لمصرف لبنان، فيما تبقى آلية إنشائها وتنفيذها أو هوية المستفيدين منها موضع شبهات جزائية.
كما أن الضرر لا يقتصر بالضرورة على خسارة أصل المال، بل قد يشمل تعريض الأموال العامة لمخاطر غير مبررة، أو منح جهات محددة منفعة خاصة، أو تفويت عائد أفضل، أو تجاوز قواعد قانونية ورقابية.
كذلك، فإن نفي تأسيس شركات وهمية لا يصبح حقيقة ثابتة لمجرد وروده في بيان الدفاع. حسم هذه المسألة يحتاج إلى كشف سجلات الشركات ونشاطها الفعلي وحساباتها ومالكيها المستفيدين والعقود التي أبرمتها ومسار التحويلات المالية المرتبطة بها.
أما قول الوكيل إن التوقيف الاحتياطي ليس عقوبة ولا دليلاً على الإدانة، فهو صحيح قانوناً. كما أن سلامة يتمتع بقرينة البراءة إلى حين صدور حكم مبرم.
لكن قرينة البراءة لا تمنع الادعاء أو التحقيق أو التوقيف عند توافر أسبابه، والطعن أمام الهيئة الاتهامية لا يبطل مذكرة التوقيف ما لم يصدر قرار قضائي بفسخها.
من هنا، فإن بيان أمس قدّم رواية الدفاع، لكنه لم يُسقط الأسئلة التي أدت إلى فتح التحقيق وإصدار مذكرة التوقيف.
القضية لا تُحسم بعدد الدفوع التي لم يقدّمها سلامة، ولا بوضعه الصحي، ولا برقم الـ33 مليون دولار وحده. إنها تُحسم بوثائق واضحة تجيب عن الأسئلة الأساسية: كيف خرجت الأموال؟ إلى أين ذهبت؟ عبر أي شركات؟ مَن استفاد منها؟ وهل كانت العملية قانونية منذ بدايتها حتى نهايتها؟



