حين اعترض القضاء… لماذا صمتت دار الفتوى؟


منذ أشهر، يواجه الشيخ خلدون عريمط مصيره القضائي وحيداً. لكن القضية لم تعد تتعلق بالرجل وحده، بل بصمت دار الفتوى نفسها، رغم وجود اعتراض قضائي واضح على أصل الاتهام الموجّه إليه. وهنا تحديداً لم يعد السؤال محصوراً بخلدون عريمط، بل أصبح سؤالاً عن دور المرجعية الدينية وحدود مسؤوليتها عندما يواجه أحد أبرز مشايخها أزمة بهذا الحجم.
فالرجل، الذي يُعد من أبرز المشايخ السنة في لبنان، لا يزال موقوفاً منذ أشهر، فيما يغيب أي موقف واضح أو فاعل من دار الفتوى للمطالبة بتسريع الإجراءات القضائية أو التأكيد على حقه بمحاكمة عادلة وسريعة. وهنا لا يدور الحديث عن الدفاع عن شخص خلدون عريمط أو التدخل في عمل القضاء، بل عن الدفاع عن موقع المشيخة السنية وما تمثله من رمزية داخل الطائفة.
لكن ما يجعل هذا الصمت أكثر إثارة للتساؤلات أن القضية لا تتعلق بملف قضائي محسوم أو بإدانة نهائية، بل بملف شهد اعتراضاً قانونياً وقضائياً من داخل الهيئة الاتهامية نفسها. فقد سجّل رئيس الهيئة الاتهامية القاضي كمال نصار مخالفة صريحة للقرار الاتهامي، رافضاً توصيف الوقائع المنسوبة إلى عريمط على أنها جناية تعكير صلات لبنان بدولة أجنبية، في خطوة نادرة تعكس حجم التباين القانوني حول الملف وتوصيفه، ومشيراً إلى ثغرات قانونية أساسية في القرار الصادر بحقه.
وعندما يصل الخلاف إلى هذا المستوى داخل الجسم القضائي نفسه، يصبح السؤال أكثر مشروعية: لماذا تلتزم المرجعية الدينية الصمت فيما أحد أبرز مشايخها يواجه اتهاماً يعترض عليه رئيس الهيئة الاتهامية نفسها؟ ولماذا لا يُسمع أي صوت يطالب على الأقل بمحاكمة سريعة وعادلة بعيداً عن تحويل التوقيف الاحتياطي إلى عقوبة قائمة بذاتها؟
وهنا تحديداً يصبح سؤال دار الفتوى أكثر إلحاحاً. فالقضية لم تعد مجرد ملف قضائي يخص الشيخ خلدون عريمط، بل اختباراً لدور المرجعية الدينية نفسها عندما يواجه أحد أبرز مشايخها اتهاماً محل نزاع قضائي واعتراض قانوني معلن.
فحين يُترك أحد أبرز علماء الطائفة السنية يواجه مصيره وحيداً من دون أي متابعة معنوية أو قانونية أو حتى موقف مبدئي يدعو إلى ضمان حقوقه القانونية، فإن المسألة تتجاوز الفرد لتصيب صورة المؤسسة الدينية نفسها.
والأخطر من ذلك أن هذا الغياب الكامل للموقف يفتح الباب أمام تساؤلات متزايدة داخل البيئة السنية حول أسبابه الحقيقية. فمع مرور الوقت، يصبح من الطبيعي أن يسأل كثيرون عما إذا كانت الخلافات السابقة داخل المؤسسة قد لعبت دوراً في هذا المشهد، أو ما إذا كان قرار النأي الكامل عن القضية قد اتُّخذ منذ البداية، بصرف النظر عن تداعياته على صورة المشيخة وموقعها المعنوي.
اليوم، لا يدور النقاش حول إدانة الشيخ خلدون عريمط أو تبرئته، فهذه مهمة القضاء وحده. النقاش يدور حول دور المرجعية الدينية عندما يواجه أحد أبرز مشايخها أزمة بهذا الحجم، وحول حدود مسؤوليتها في حماية الموقع الذي يمثله، خصوصاً عندما يكون أصل الاتهام نفسه موضع اعتراض قضائي جدي.
قد يختلف اللبنانيون حول الشيخ خلدون عريمط، وقد يختلفون حول الملف القضائي برمته، لكن ما يصعب فهمه هو غياب أي موقف من المرجعية الدينية السنية في قضية تمس أحد أبرز مشايخها. فالصمت هنا لم يعد مجرد موقف، بل تحوّل بحد ذاته إلى موضع مساءلة.
فإذا كانت المرجعيات الدينية وُجدت للدفاع عن مواقعها عند الأزمات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: لماذا صمتت دار الفتوى عندما اعترض القضاء نفسه؟ وهل يُترك أحد أبرز مشايخ الطائفة السنية يواجه مصيره وحيداً فيما تغيب المرجعية التي يفترض أن تكون أول من يدافع عن موقع المشيخة وكرامتها؟
ففي القضايا الكبرى، قد يكون الصمت خياراً. أما عندما يصبح الصمت أعلى من كل الأصوات، فإنه يتحول إلى جزء من المشكلة لا إلى وسيلة للهروب منها.



