متفرقات

المنصوري وتراجيديا التهجير: إبادة المدرسة.. وألف وحدة سكنية

عند الطرف الغربي لبلدة المنصوري، كانت آليتان كبيرتان لجيش الإحتلال الإسرائيلي، تتناوبان على نهش منزل مؤلف من طوابق عدة، يعود لعائلة “باشان”، فيما كانت تتصاعد سحب الدخان من منزل مجاور، قصفته طائرات حربية إسرائيلية للتو.

في الجهة الشمالية للبلدة، التي يفصلها بساتين الموز، عن قرية الحنية، كان يتوافد إلى ظل أشجار الصنوبر المعمرة، التي يعود تاريخ غرسها إلى عائلة سلام البيروتية (صائب سلام) في خمسينيات القرن الماضي، عدد  من أبناء المنصوري النازحين إلى بلدات وقرى صور وبعض مراكز الإيواء.

كل واحد من هؤلاء، يمضي تحت هذه الشجرات، المقابلة لبلدتهم، التي تسوى شيئاً فشيئاً، أوقاتاً مختلفة، يرصد في خلالها سلسلة التفجيرات والغارات، وما تبقى من منازل.

كثير من أبناء هذه البلدة، التي لم يهنأ أبناؤها بالاستقرار في بيوتهم وريّ مزروعاتهم وبساتينهم، يحبسون دموعهم في المقل مع كل غارة وتفجير لمنزل أو مؤسسة عامة. فتهوى قلوبهم معها.

ومنذ الرابع من آب، وهو تاريخ النزوح الجماعي الجديد، وبدء عملية إبادة المنازل في منطقة المشاع، حيث تذرع العدو حينها بإنفجار عبوة ناسفة بجنوده في مجدل زون، أدت إلى مقتل ثلاثة منهم، وإخلاء الجيش اللبناني لنقطته، باتت البيوت الواقفة المشوهة، علامات دالة للأحياء، التي تناثرت حجارتها وإسمنتها وحديدها في كل مكان، وقد صارت في خبر كان.

لم يكن إنزال كميات كبيرة من المتفجرات على سطح مدرسة المنصوري، بواسطة محلقة إسرائيلية، أمراً عادياً، فقد قتلت هذه المتفجرات، التي سوّت المدرسة مع الأرض، حضن مئات التلاميذ من أبنائها، لا سيما الفقراء منهم، ومعلميهم، وأجيال تعاقبت عليها، بعدما كانت اغتالت مديرها الشهيد محمد شويخ.

جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يتمكن من دخول البلدة في ذروة العدوان، يسرب عبر الصحافة الإسرائيلية (صحيفة معاريف) أن المنصوري المشرفة على تلة البياضة، تؤرق الجيش الإسرائيلي، وأن الجيش يركز على المنصوري، بعد تطهير علي الطاهر، لكن أبناء المنصوري القابضين على جراحهم، لا يستسيغون هذا الكلام الذي يُخفي مزيداً من العدوانية الإسرائيلية المتوحشة.

من مفرق الحنية- زبقين، على طريق صور الناقورة، وحتى ما بعد حاجز الجيش اللبناني، في العامرية. تتآكل يوماً بعد يوم مقومات العيش السكني والتجاري وحتى الزراعي. فكثير من المؤسسات التجارية الصامدة القليلة، تفرغ من زبائنها وروادها. فيما لا تتوقف قوافل اليونيفيل، وقوافل الإغاثة لعدد من بلدات بنت جبيل( رميش، عين إبل، ودبل).

كل العيون في تلك البقعة، متجهة نحو المنصوري، وبيوتها وقصورها، التي نبتت بين أشجار الليمون والموز، وفي سهلها الواسع، الممتد نحو رأس البياضة، وقد بناها أهلها بتعب وعرق الجبين، من ترحالهم المبكر إلى إفريقيا وأوروبا وأميركا، ومن غرس أرضهم الخصبة المتوازية مع شاطئ البحر

قبل الإبادة الإسرائيلية لبيوت المنصوري، لم يكن أسماء أحياء البلدة يتردد كثيراً بين أبنائها. فبعد العدوان الممنهج، أصبحت أحياء المشاع والرابع وغزالة وبيوت السيّاد والسياحة والمقصبة والمدرسة وغيرها، تملأ فضاءات محطات التلفزة والإذاعات والمنصات والمواقع الإلكترونية، التي تنصب كاميراتها مع كل صباح لتسجيل عمليات التفجير والتدمير والهدم.

وفد من البلدة عند سلام 

ارتبطت عائلات كثيرة في بلدة المنصوري، لا سيما عائلة خشاب ( الجد قاسم) بعلاقات وطيدة مع عائلة صائب بك سلام، التي كانت تملك مئات الدونمات في الحنية المجاورة للمنصوري. وتواصلت هذه العلاقات مع الأبناء والأحفاد، ومنهم الرئيس تمام سلام، والرئيس نواف سلام

حمل وفد من بلدة المنصوري، برئاسة رئيس البلدية حيدر مديحلي، أوجاع البلدة، وما تتعرض له من همجية إسرائيلية، إلى السراي الحكومي، حيث التقى الرئيس سلام، ووضعه بتفاصيل ما يجري في المنصوري، وسلة بالمطالب الملحة، ومنها بدل الإيواء، وتأمين مدرسة بديلة قرب صور وغيرها. استمع سلام إلى هذه المطالب، واعداً بتحقيق المقدور منها.

وفق عدد من أعضاء الوفد لـِ ” المدن” فإن سلام شرح واقع المنطقة والعربدة الإسرائيلية التي لا يكبحها أحد. وهذا ما يدل على طول عمر الأزمة الحالية لسنوات.

وصف الرئيس حيدر مديحلي، اللقاء بالرئيس سلام، بالدافئ والعائلي. وقال وعدنا بتحقيق المطالبة المرفوعة، ربطاً بتوفر الأموال اللازمة.

وأضاف لـِ “المدن” أن سبعين بالمئة من أهالي المنصوري، يعتمدون على القطاع الزراعي المتنوع في البلدة، وخاصة سهلها، إلى جانب الاغتراب، الذي يشكل واحداً من المقومات الرئيسية. ولفت مديحلي، إلى أن في المنصوري أكثر من ألف وحدة سكنية، دُمرت في غالبيتها، إضافة إلى المدرسة الرسمية وخزان المياه، وإحراق المزروعات وتجريفها، فيما أهلها الذين يفوق عددهم الثلاثة آلاف يمضون أيامهم بالنزوح والقهر.

المدرسة: قلعة الضيعة 

مديرة المدرسة الرسمية في البلدة، سونيا عبد الهادي، كانت في عداد الوفد.

وقالت عبد الهادي لـِ ” المدن”: كنت أعتبر المدرسة قلعة الضيعة، وكنت أقول إن شاء الله تبقى صامدة، ولكن عندما دمرت بالمتفجرات، أيقنت أن قلعة البلدة ذهبت، وفعلاً، حزنت كثيراً كثيراً، وحتى دموعي نزلت أكثر من الوقت الذي تهدم فيه بيتي.

فهذه المدرسة، درست فيها، وبدأت التعليم فيها، حتى صرت ناظرة، ثم مديرة. فكنت أمضي فيها أوقاتاً أكثر من البيت

وإن شاء الله سنرجع ونبني أفضل منها، ونعيد ذكرياتنا. وأضافت عبد الهادي: حالياً قدمنا كتاباً لوزارة التربية لإشغال مدرسة في محلة المساكن الشعبية في صور، وننتظر الرد .وكان لدينا، 257 تلميذاً، أما الآن فيوجد 160 تلميذاً، بعدما تفرق الأهل في أماكن مختلفة. وأكدت السعي إلى تأمين بدل نقل للطلاب للتخفيف عن كاهل الأهالي.

كان صباح اليوم، تحت أشجار الصنوبر في الحنية، حيث يرصد الأهالي بعيونهم، أحوال بلدتهم ساعة ساعة، يوماً آخر من الوجع والصبر في آن. حضر السيد عبد المجيد زين، بلباسه الديني، للنظر إلى قريته.

وقال زين لـِ ” المدن” إن الوجع الحقيقي، هو أن نخسر وطناً وكرامة، لا أن نخسر بيتاً، يمكننا إعادة بنائه.

وأضاف زين أن عدونا غدار وبطاش، لكننا “سنعود إلى ديارنا بفضل الله وسواعد المجاهدين الثابتين”.

المصدر: المدن

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى