سنة على محاولة الهروب الكبير من لبنان… التسوية تتعثر وملاحقات بـ51 مليون دولار


“ليبانون ديبايت”
بعد عام على محاولة ناقلة النفط HAWK III الفرار من الاحتجاز في المياه اللبنانية، يدخل الملف مرحلة قانونية ومالية حاسمة، بين تسوية جمركية لم تُنجز، واتجاه متصاعد نحو بيع السفينة في مزاد علني، واحتمال فتح باب ملاحقات أوسع قد تصل قيمتها إلى نحو 51 مليون دولار.
ففي 12 أيلول 2025، حاولت الناقلة مغادرة المياه اللبنانية، قبل أن يعترضها الجيش اللبناني على مسافة تقارب 30 ميلاً بحرياً من الشاطئ ويعيدها، في خطوة عززت مساراً بدأ بتحقيق للجمارك في حمولة روسية المنشأ، والوثائق التي يُشتبه في استخدامها لإخفاء مصدرها الحقيقي.
وشكّل اعتراض السفينة تثبيتاً لسلطة الدولة ونتيجة لتضافر جهود المؤسسات الرسمية والإعلام و”ليبانون ديبايت” والمهندس فوزي مشلب، الذي تقدّم بالشكوى الأساسية. كما جاءت محاولة الفرار بعد حملات شككت في دوافع مشلب وصدقيته، وكذلك في دور “ليبانون ديبايت”، لتؤكد خطورة الملف وأهمية الاستمرار في ملاحقته.
وبعد إعادة الناقلة، أفيد بأن ربانها وأفراد طاقمها أقروا بتزوير منشأ الحمولة لمصلحة المورّد “Sahara Energy”، وبأن محاولة الهروب جاءت بأمر من مشغّل السفينة، شركة “SR Navigation”.
واليوم، يقف الملف أمام مفترق حاسم. فقد خفّضت الجمارك قيمة التسوية المقترحة من 10 ملايين دولار إلى 7 ملايين، استجابة لطلب تسوية، إلا أن شركة “Sahara Energy” ومالكة السفينة “Oceanic Commandor” لم تتوصلا حتى الآن إلى اتفاق مع الجمارك، ما بات يُنظر إليه بوصفه رفضاً ضمنياً للفرصة المتاحة.
ولا يمكن أن تبقى مهلة الانتظار مفتوحة إلى ما لا نهاية، بعدما أمضت HAWK III عاماً محتجزة قبالة ضبية، وسط مخاوف من تدهور حالتها مع اقتراب فصل الشتاء. ومع تعثر مساعي التسوية، بات على المجلس الأعلى للجمارك المضي في طرح السفينة للبيع في مزاد علني، بهدف تحصيل الأموال المستحقة للخزينة وإنهاء أعباء احتجازها الطويل.
لكن فارقاً قانونياً جوهرياً يفصل بين التسوية والمزاد. فالتسوية الجمركية تشكّل آلية لمعالجة المخالفة وإسقاط الملاحقات الجزائية المرتبطة بها ضمن نطاقها القانوني، بينما لا يشكّل بيع السفينة بحد ذاته تسوية شاملة للملف.
وفي حال سقوط التسوية، سينتقل الملف من فرصة الحل التفاوضي إلى المزاد والملاحقات القضائية. وقد يتيح ارتفاع القيمة السوقية للسفينة، في ظل الحرب، تحصيل مبلغ يفوق قيمة التسوية المقترحة.
كذلك، قد يُحال الملف إلى المحكمة الجمركية، حيث يُفترض أن تشكّل الإفادات المنسوبة إلى أفراد الطاقم والمستندات المضبوطة عناصر أساسية في تحديد مسؤولية الجهات المعنية. ويستند الادعاء في القضية إلى المادة 423 من قانون الجمارك، باعتبارها أساساً لفرض غرامات قد تقارب 3 أضعاف القيمة المصرّح عنها للمحروقات.
ومع تقدير قيمة الحمولة بنحو 17 مليون دولار، قد يصل حجم التعرض المالي المحتمل إلى قرابة 51 مليون دولار.
ولن يقتصر تنفيذ أي أحكام محتملة على السفينة وحدها، إذ يُفترض بوزارة المالية والدولة اللبنانية، ضمن الأطر القانونية المتعلقة بالجمارك واسترداد الأموال المتأتية من الفساد، ملاحقة المبالغ المحكوم بها عبر تعقب الأصول وطلبات تجميدها والتعاون القضائي الدولي.
وقد تشمل هذه الإجراءات هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان، بهدف تحديد الأصول العائدة إلى الأشخاص الذين ثبتت مسؤوليتهم. ومن المتوقع أن يمتد التدقيق إلى مالكي “Oceanic Commandor” و”SR Navigation”، إضافة إلى المديرين المعنيين في الشركات، ومن بينهم مسؤولون في “Sahara Energy Resources”، المورّد المتعاقد مع الدولة اللبنانية.
ويثير الملف أيضاً تساؤلات حول طريقة التعامل مع Collin Raccah، المسؤول التنفيذي عن العقد مع لبنان لدى الشركة المورّدة في هذا الملف. فقد حضر من دبي إلى لبنان ليوم واحد فقط للمشاركة في جلسة استجواب، من دون اتخاذ أي إجراء يمنعه من السفر، ثم عاد إلى دبي خلال ساعات، في معاملة وُصفت بأنها استثنائية من جانب القضاء اللبناني.
وقد تترافق إجراءات استرداد الأموال مع طلب إصدار مذكرات توقيف دولية وتعميمها عبر الإنتربول بحق كل من Raccah والمدير التنفيذي النيجيري في شركة “Sahara Energy”، بالإضافة إلى مالك الناقلة ومشغّلها اليوناني الأصل.
كما يمكن لطلبات المساعدة الموجهة إلى سلطات أجنبية أن تفتح باب التدقيق في دور الشركات المرتبطة بالملف، لا سيما أنها أوروبية، لارتكابها مخالفات للعقوبات الأوروبية والسويسرية.
بعد عام على محاولة فرارها، لم تعد HAWK III مجرد سفينة محتجزة قبالة الساحل، بل تحولت إلى اختبار لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها وحماية المال العام وملاحقة من تثبت مسؤوليتهم. وإذا أُقفلت نافذة التسوية، فقد لا يكون المزاد خاتمة القضية، بل بداية مواجهة قانونية ومالية أوسع.



