متفرقات

حراس الدستور بالانتقاء… وحقوق المتعاقدين الضحية

كتب عصام شلهوب
تقدّم النواب فراس حمدان، ملحم خلف، سليم الصايغ، نجاة عون صليبا، مارك ضو، إبراهيم منيمنة، وضاح الصادق، حيدر ناصر، ميشال الدويهي وسينتيا زرازير، بطعن أمام المجلس الدستوري في القانون المتعلق بإخضاع المتعاقدين لشرعة التقاعد، معلنين أن خطوتهم تنطلق من الحرص على احترام الدستور ومبادئ المساواة وتكافؤ الفرص.
وهم يملكون، بلا شك، الحق القانوني والدستوري في الطعن، لكن الرأي العام يملك بدوره حقاً لا يقل مشروعية في طرح الأسئلة: أين كانت هذه الحماسة الدستورية في ملفات وقوانين أخرى؟
المشكلة ليست في ممارسة حق الطعن، بل في انتقائية الطعن.
فالدستور لا يجوز أن يكون نصاً مقدساً عندما يتعلق الأمر بحقوق المتعاقدين، ثم يتحول إلى نص قابل للتأويل أو التجاوز أو الصمت عندما تكون القوانين الأخرى محكومة بالتسويات السياسية والحسابات النيابية والمصالح المتبادلة.
وما يثير الاستغراب أن بعض هؤلاء النواب خاضوا في مراحل سابقة طعوناً دستورية ضد قوانين أخرى، وهذا حق مشروع، لكنه يطرح سؤالاً أساسياً: هل أصبح الدفاع عن الدستور موسماً سياسياً، يُستدعى عند الحاجة ويُهمل عند الحاجة؟
وقد ظهر عدد من هؤلاء النواب، وبينهم فراس حمدان وملحم خلف ونجاة عون صليبا ومارك ضو وإبراهيم منيمنة وميشال الدويهي وسينتيا زرازير وحيدر ناصر وغيرهم، في مراجعات دستورية سابقة تتعلق بقوانين مختلفة، بينها قانون تنظيم القضاء العدلي. وهذا يؤكد أن باب الطعن ليس جديداً عليهم، لكنه يجعل من حق الرأي العام مطالبتهم بالاتساق الكامل في مواقفهم، لا بالانتقائية في تحديد ما يستحق الاستنفار الدستوري وما لا يستحقه.
أما الاعتراض على قانون المتعاقدين، فيبدو في جوهره وكأنه اكتشاف مفاجئ لمبادئ المساواة. فجأة، يصبح إنصاف أشخاص خدموا الإدارات العامة سنوات طويلة خطراً على تكافؤ الفرص، وكأن الدولة اللبنانية كانت نموذجاً مثالياً للعدالة الوظيفية، ولم تعرف يوماً المحسوبيات والوساطات والاستثناءات والتوظيف السياسي والتعاقد العشوائي وتجاوز الأصول القانونية.
فأين كانت هذه الصرامة عندما جرى تكريس آلاف الحالات الاستثنائية في الإدارات والمؤسسات العامة؟ وأين كانت هذه الحساسية تجاه تكافؤ الفرص عندما تحولت الوظيفة العامة، في مراحل كثيرة، إلى مساحة للمحاصصة السياسية والطائفية؟ وهل تذكّر بعض النواب الدستور فقط عندما وصل الأمر إلى متعاقدين أمضوا أعمارهم في خدمة الدولة ثم طالبوا بحقوقهم التقاعدية؟
إن إنصاف المتعاقدين لا يعني بالضرورة تبرئة القانون من أي عيب دستوري، كما أن وجود خلل محتمل في الصياغة لا يبرر التعامل مع هؤلاء الناس وكأنهم هم المشكلة.
المشكلة الحقيقية هي أن الدولة استخدمت المتعاقدين لعقود طويلة لسدّ حاجاتها، ثم تركتهم خارج الضمانات التي يتمتع بها الموظف الدائم، وعندما حاول مجلس النواب معالجة جزء من هذا الظلم، استيقظ فجأة حراس المساواة.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: أُقرّ القانون في 15 تموز 2026 بأكثرية 61 صوتاً مقابل 30، بعد تعديل صيغته، فيما أظهرت نتائج التصويت معارضة عدد من النواب لأسباب متعددة. لكن تحويل المعالجة إلى قضية دستورية لا يجب أن يحجب حقيقة أن أصل المشكلة هو تقصير الدولة والسلطة التشريعية طوال سنوات في وضع إطار شامل وواضح ومنصف للمتعاقدين.
إن النواب فراس حمدان، ملحم خلف، سليم الصايغ، نجاة عون صليبا، مارك ضو، إبراهيم منيمنة، وضاح الصادق، حيدر ناصر، ميشال الدويهي وسينتيا زرازير، مطالبون اليوم بالإجابة عن سؤال واضح: هل يريدون حماية الدستور فعلاً، أم حماية تفسيرهم السياسي للدستور؟
فالفرق كبير بين الأمرين.
حماية الدستور تعني رفض المخالفات أينما وجدت، أياً تكن الجهة التي ارتكبتها، وأياً كان القانون الذي تعلقت به، وأياً كانت المصلحة السياسية التي تقف خلفها.
أما أن يُستدعى الدستور بقوة في قضية، بينما تمر قوانين وإجراءات أخرى من دون المعركة نفسها، فذلك يحق للرأي العام أن يصفه بازدواجية المعايير.
لا يمكن لأي نائب أن يكون حارساً شرساً للدستور في ملف، ثم يطلب من الناس الصمت عندما يتساءلون عن مواقفه في ملفات أخرى. ولا يمكن لمن يصمت عن ثغرات تشريعية أو تسويات أو مخالفات إجرائية في قوانين معينة أن يتحول فجأة إلى مدّعٍ عام دستوري عندما يتعلق الأمر بحقوق فئة ضعيفة من المواطنين.
الدستور ليس سلاحاً سياسياً انتقائياً، والمساواة ليست ذريعة لمنع الحقوق، وتكافؤ الفرص لا يعني أن يبقى من خدم الدولة سنوات طويلة بلا أمان وظيفي أو اجتماعي أو تقاعدي.
فإذا كان لدى هؤلاء النواب اعتراض دستوري حقيقي، فليقدموه، وللمجلس الدستوري وحده أن يقول كلمته. لكنهم لا يستطيعون احتكار الفضيلة الدستورية، ولا أن يقدموا أنفسهم كحراس وحيدين للمساواة، فيما يعرف اللبنانيون أن منظومة التشريع تعاني منذ سنوات من الاستثناءات والتسويات والثغرات والتناقضات.
إن أخطر ما في هذا الطعن ليس الطعن نفسه، بل الرسالة التي قد تصل إلى المتعاقدين: أن حقوقكم قابلة دائماً للتأجيل، لكن التنظير الدستوري لا يتأخر يوماً واحداً.
وهؤلاء النواب الذين رفعوا اليوم راية الدستور مدعوون إلى أن يرفعوها في كل القوانين، بلا انتقاء، وبلا حسابات، وبلا ازدواجية في المعايير.
لأن الدستور الذي لا يُدافع عنه إلا عندما يخدم موقفاً سياسياً، يتحول من مرجعية للعدالة إلى أداة للجدل.
والنواب الذين يريدون فعلاً حماية الدولة ومؤسساتها، عليهم أن يدافعوا عن الدستور وعن حقوق الناس في الوقت نفسه، لا أن يضعوا الدستور في مواجهة المتعاقدين، وكأن احترام الدستور لا يتحقق إلا بإبقاء فئة كاملة خارج العدالة الاجتماعية.
الدستور لا يُجزّأ… فمن يحميه فليحمه في كل الملفات، لا أن يتذكره فقط عندما تصبح حقوق المتعاقدين هي القضية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى