حرب الظل الرقمية… كيف تموّل إيران مسيّراتها رغم العقوبات؟


في ظل تصاعد المواجهة في الشرق الأوسط عام 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، برزت أدوات حرب غير تقليدية أعادت تشكيل موازين القوة، حيث لم تعد المواجهات تُحسم فقط في الميدان، بل باتت تُدار عبر شبكات رقمية وسلاسل توريد معقدة تتجاوز القيود والعقوبات الدولية.
ويُظهر تقرير حديث تقاطع مسارين أساسيين في هذا التحول: الاعتماد المتزايد على العملات المشفّرة وتقنيات “البلوكتشين” كوسيلة تمويل بديلة خارج النظام المالي التقليدي، إلى جانب ما يُعرف بـ”محور التهرّب” الذي يضم الصين وروسيا وإيران.
وبحسب التقرير، نجح هذا المحور في بناء منظومة متكاملة تجمع بين التمويل الرقمي المجهول والتصنيع العسكري الموزّع، ما أتاح لطهران وموسكو الحفاظ على قدراتهما في مجال الطائرات المسيّرة والصواريخ رغم العقوبات.
وفي هذا السياق، كشف تقرير صادر عن شركة “تشيناليزيس” المتخصصة في تحليل سلاسل الكتل، عن تنامي استخدام العملات المشفّرة في تمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة الكلفة من قبل جماعات مرتبطة بروسيا وإيران.
وأشار التقرير إلى أن توافر المسيّرات التجارية عبر منصات التجارة الإلكترونية، إلى جانب صعوبة تتبّع المعاملات بالعملات المشفّرة، ساهم في إخفاء هوية المشترين ونواياهم، مقارنة بالقنوات المالية التقليدية.
ولفت إلى أنه منذ اندلاع الحرب الروسية على أوكرانيا عام 2022، تلقت جماعات موالية لروسيا تبرعات بالعملات المشفّرة تجاوزت 8.3 ملايين دولار، استُخدمت لشراء طائرات مسيّرة ومكوناتها.
كما أظهر تتبّع حركة الأموال الرقمية من محافظ مرتبطة بمطوري المسيّرات وجماعات شبه عسكرية إلى البائعين، إمكانية شراء معدات منخفضة الكلفة بسهولة عبر الإنترنت.
وكشف التقرير أيضاً عن استخدام جهات مرتبطة بإيران للعملات المشفّرة في بيع وشراء معدات عسكرية، بما في ذلك قطع غيار المسيّرات، حيث تم رصد محفظة رقمية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني اشترت مكونات من مورد في هونغ كونغ.
ورأى رئيس استخبارات الأمن القومي في الشركة آندرو فيرمان أن تقنية “البلوكتشين” توفر للمحققين إمكانية تتبع الأنشطة المالية بشكل أفضل، عبر رصد سلوك البائعين والمشترين، رغم محدودية حجم هذه المعاملات مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي.
وعلى مستوى الإمداد، أشار التقرير إلى أن الصين وروسيا لعبتا دوراً محورياً في تمكين إيران من تجاوز العقوبات، عبر أنظمة دفع بديلة، وعمليات غسل أموال، وتجارة المقايضة، إلى جانب تطوير سلاسل توريد متكاملة.
وتلعب الصين دوراً أساسياً عبر استيراد النفط من إيران وروسيا، مقابل تزويدهما بتكنولوجيا مزدوجة الاستخدام، في حين تستمر المكونات الغربية في الوصول إلى المسيّرات الإيرانية عبر شبكات معقدة من الوسطاء وشركات الواجهة ومراكز الشحن في الصين وهونغ كونغ.
كما تطورت العلاقة إلى تصنيع المسيّرات داخل روسيا، حيث انتقلت 90% من عمليات التجميع بحلول عام 2025، مع تطوير نماذج محسّنة بدعم خبراء صينيين.
وتشير المعطيات إلى أن روسيا بدأت تزويد إيران بمسيّرات من إنتاجها لاستخدامها في الهجمات، فيما تساهم الصين في نقل تقنيات الملاحة، وتوفر إيران وصولاً إلى نظام “بيدو” لتعزيز دقة الاستهداف.
وفي المقابل، تعتمد طهران على شركات كيميائية صينية لتأمين المواد اللازمة لإنتاج وقود الصواريخ والمتفجرات، والتي تُنقل عبر سفن “أسطول الظل”، ما يصعّب تتبّعها.
ويخلص التقرير إلى أن هذه المنظومة تطورت من مجرد التفاف على العقوبات إلى شبكة إنتاج عسكرية متكاملة، تجمع بين المكونات الغربية، وسلاسل التوريد الصينية، والقدرات التصنيعية الروسية، بما يعزز استدامة القدرات العسكرية الإيرانية.
المصدر: الجزيرة



