متفرقات

المقدّم الدكتور ملك : التوثيق التقني والجنائي يمهّد للبنان المحاسبة

مقابلة مع المقدم في الأمن العام المقدم فادي ملك، ونشرت في مجلة الأمن العام.
إعداد ميشال كرم .

في سياق حربها المفتوحة خرقت طائرات زراعية تابعة للاحتلال الاسرائيلي المجال الجوي اللبناني، ورشت مبيدات كيميائية سامة فوق مناطق جنوبية محاذية للخط الازرق في جولة ثالثة منذ 8 تشرين الأول 2023، مما أدى إلى اضرار جسيمة طالت الموارد الطبيعية والمياه الجوفية وخصوبة التربة، وانعكس سلبا على سبل عيش المزارعين وامنهم الاقتصادي.

 

بينت نتائج تحليل العينات التي جمعها الجيش اللبناني، بمساندة قوات اليونيفيل ان المواد المرشوشة هي “الغليفوسات” وتستخدم كمبيد للأعشاب وتخلف اثارا سلبية على التنوع الحيوي في المناطق الزراعية والحرجية وتزيد من احتمالات تلوث المياه الامر الذي دفع وزارتي الزراعة والبيئة الى التأكيد من خلال اصدار بيان مشترك ان “هذه المادة تؤدي الى تضرر الغطاء النباتي في المناطق المستهدفة مع تداعيات مباشرة على الانتاج الزراعي والتوازن البيئي، حيث تبين في بعض العينات نسب تركيز تراوحت بين عشرين وثلاثين ضعفا مقارنة بالنسب المعتادة”.

في هذا السياق، سبق ان استخدمت اسرائيل خلال عدوانها الاخير قنابل الفوسفور الابيض مما ادى الى اندلاع حرائق واسعة النطاق خلفت اضرارا بيئية وصحية جسيمة، والتهمت النيران مساحات كبيرة من الاحراج والاشجار المعمرة، لا سيما اشجار الزيتون والسنديان في بلدات الشريط الحدودي، وهو ما الحق خسائر فادحة بالثروة الحرجية والزراعية.

وقدرت وزيرة البيئة تمارا الزين الاضرار البيئية الناتجة من هذه الحرب بأكثر من 440 مليون دولار مع خسارة اكثر من 8700 هكتار من المساحات الخضر، وهذا ما يؤثر بشكل مباشر على مصادر رزق الجنوبيين ويعرقل عودتهم الى منازلهم واستئناف حياتهم الطبيعية، نظرا الى ما تسببه هذه المواد من اذى بالغ للإنسان. الامن العام” التقت المقدم الدكتور فادي ملك، وسلطت الضوء على تأثير هذه المواد الكيميائية والذخائر الحارقة على البيئة والامن الغذائي في لبنان وبخاصة على جنوبه وامكان مقاضاة اسرائيل التي تسببت بالأضرار.

 

  • قامت إسرائيل خلال حربها الاخيرة برش الغليفوسات ومواد كيميائية سامة فوق مناطق جنوبية قبل توسع اعتداءاتها في ايلول 2024، وآخر توثق لها بنحو ثلاثة أشهر، وفي مطلع شباط 2026 اضافة الى استخدامها قنابل حارقة وفوسفور ابيض. فما مدى تأثير هذه المواد على الانسان والبيئة؟

 

تشير القراءة التقنية لنتائج العينات الميدانية التي وثقتها وزارة الزراعة والمختبرات المختصة الى وجود ارتفاع ملحوظ في ترسبات مادة “الغليفوسات” مبيدات (الاعشاب في التربة الحدودية حيث سجلت في بعض المواقع مستويات تتجاوز المعدلات الزراعية الاعتيادية بنسب تراوحت بين 20 و 30 ضعفا. هذا التركيز المرتفع يؤثر بشكل مباشر على حيوية الاشجار المعمرة وخاصة اشجار الزيتون، كما يهدد جودة محاصيل التبغ نتيجة امتصاص التربة لهذه المواد بتركيزات غير مسبوقة. كما ان استخدام هذه المادة بتركيزات مرتفعة او عبر الرش الجوي على مساحات واسعة قد يؤدي الى اثار بيئية مختلفة، من بينها تدمير الغطاء النباتي الطبيعي، والتأثير في خصوبة التربة واحداث تغيرات في التوازن البيئي للكائنات الدقيقة الموجودة في التربة، فيما يتسبب الفوسفور الابيض في احداث خلل في الخصائص الكيميائية للطبقة السطحية وتدمير الغطاء النباتي نتيجة بقايا الاحتراق مما يستدعي تدخلا تقنيا لإعادة تأهيل هذه الاراضي وضمان استعادة انتاجيتها الطبيعية. اما على الصعيد البشري، فان التأثيرات المباشرة لهذه المواد تتركز في المخاطر الناتجة عن ملامسة بقايا الفوسفور او استنشاق الابخرة المنبعثة منه، والتي قد تسبب حروقا كيميائية او اضطرابات تنفسية. كما ان الارتفاع الكبير في تركيز المواد الكيميائية المرشوشة يفرض ضرورة الالتزام بالإجراءات الوقائية لتجنب التعرض الطويل الأمد، وذلك لضمان سلامة السكان ومنع تسرب هذه الملوثات الى السلسلة الغذائية عبر المحاصيل المتضررة.

  • ما تأثير هذه الممارسات المتكررة على الامن الغذائي في الجنوب على المدى القريب والبعيد؟

من الناحية المؤسسية، لا تدخل مسألة تقييم الامن الغذائي او ادارة السياسات الزراعية ضمن اختصاص الهيئة الوطنية المعنية بالمواد الكيميائية والبيولوجية والاشعاعية والنووية، اذ ان هذه المسؤوليات تقع اساسا ضمن صلاحيات الوزارات المختصة، ولا سيما وزارات الزراعة والبيئة والصحة. الا انه من منظور التقييم الامني للمخاطر المرتبطة بمواد  CBRN، فان تكرار استخدام مواد كيميائية في بيئات زراعية او بالقرب من مناطق انتاج غذائي يمكن ان يثير مجموعة من الهواجس المرتبطة بالأمن البيئي والاستقرار الاجتماعي في المناطق الريفية. ففي مثل هذه الحالات، لا يقتصر التقييم على الجانب البيئي المباشر، بل يشمل ايضا تحليل المخاطر المحتملة التي قد تنشأ عن اي تلوث كيميائي قد يصيب الاراضي الزراعية او الموارد الطبيعية. ومن منظور أمني، يمكن ان تظهر مؤشرات عدة تستدعي المتابعة التقنية والعلمية، من بينها:

 

  • احتمال تضرر بعض المزروعات او الغطاء النباتي في المناطق المتأثرة.
  • امكان تغير الخصائص البيئية للتربة في حال استمرار التعرض للمواد الكيميائية.
  •  الحاجة الى مراقبة اي مؤشرات محتملة لتلوث قد يؤثر في السلسلة الغذائية.

وفي هذا الاطار، يقتصر دور الجهات المعنية بمتابعة مخاطر CBRN على دعم عمليات الرصد العلمي وتقييم المخاطر التقنية اضافة الى تقديم المشورة العلمية للجهات الحكومية المختصة، بما يساعدها على اتخاذ القرارات المناسبة في ما يتعلق بالسلامة البيئية والزراعية وبالتالي فان اي تقييم شامل للتأثيرات على الامن الغذائي او الانتاج الزراعي يتطلب دراسات متخصصة تقوم بها الجهات المعنية في الدولة استنادا الى التحاليل المخبرية والبيانات الميدانية المتوافرة.

 

الفوسفور الابيض يحرق الأرض والغليفوسات يفتك بالزيتون والتبغ

 

 

  • هل يمكن ان تؤدي هذه الممارسات الى نزوح طويل لأبناء الجنوب الذين يعتمدون على الزراعة في معيشتهم؟

من منظور الامن البيئي التخصصي  (CBRN)، لا يصنف النزوح في المناطق الحدودية كظاهرة اجتماعية عابرة، بل كأجراء وقائي ناتج من استراتيجية “الحرمان من الأرض (Area Denial) عبر التلوث الكيميائي الممدد ان استخدام مادة الغليفوسات بتركيزات عالية الى جانب الفوسفور الابيض يهدف امنيا الى جعل البيئة الحيوية غير صالحة للاستخدام البشري لفترات طويلة. وفي هذا السياق، تبرز استجابة الجيش اللبناني والجهات المختصة عبر بروتوكولات “التحديد والتعرف”     (Identification)  وجمع العينات الميدانية، ليس فقط لتقييم الاضرار الزراعية بل لتحديد “البصمة الكيميائية” للمواد المستخدمة ومدى ثباتيتها (Persistency) في التربة والمياه الجوفية. ان هذا التوثيق التقني يعد الركيزة الاساسية لتقدير مخاطر العودة ومدى الحاجة لعمليات “تطهير كيميائي” (Decontamination) واسعة النطاق لضمان الامن الصحي والحيوي للمواطنين قبل استعادة نشاطهم الزراعي.

 

  • هل هناك خطة وطنية لإدارة الكوارث البيئية الناتجة من النزاعات؟

نعم تتبنى الدولة اللبنانية استراتيجية وطنية متكاملة لإدارة التداعيات البيئية والمنبثقة من النزاعات المسلحة، حيث تقع المسؤولية التنفيذية المباشرة على عاتق وزارات الزراعة البيئة والصحة بالتعاون الميداني الوثيق مع الجيش اللبناني والاجهزة الامنية المختصة. ومن منظور امني وتقني يتم التعامل مع مخاطر المواد الكيميائية (CBRN) من خلال آلية تنسيق وطنية حيث يتولى الجيش اللبناني مهام المسح الميداني والتدخل الاولي وجمع العينات وفق بروتوكولات عسكرية صارمة، بينما تقوم المختبرات التابعة للوزارات المعنية بتحليل الاثر البيئي والصحي لضمان سلامة المجال الحيوي. وفي هذا الاطار، يبرز دور الهيئة الوطنية لمواد (CBRN) كجهة استشارية تقنية توفر الدعم والمشورة الاستراتيجية لضمان مواءمة الاجراءات الوطنية مع المعايير الدولية للوقاية من المخاطر الكيميائية والبيولوجية.

ان هذا التكامل بين الجهد الامني الجيش والاجهزة والجهد التخصصي (الوزارات) يهدف الى احتواء اثار الارض المحروقة ومنع تحول التلوث البيئي الى تهديد مستدام للأمن القومي والسلم الاهلي.

 

  • هل هناك سوابق دولية لمحاسبة دول تسببت بأضرار بيئية خلال النزاعات ؟

نعم هناك سوابق دولية راسخة تؤكد ان توثيق الاضرار البيئية الناتجة من النزاعات هو جزء لا يتجزأ من الامن القومي والقانوني للدول. ومن منظور علمي وتوثيقي اعتمدت الامم المتحدة والمجتمع الدولي تجارب ناجحة في هذا الاطار، ابرزها لجنة الامم المتحدة للتعويضات (UNCC) التي انشئت بعد حرب الخليج عام 1991، حيث تم الاعتماد على ادلة مخبرية و ميدانية قاطعة لأثبات التلوث الناتج من حرائق ابار النفط وتسرب المواد الكيميائية.

وفي الحالة اللبنانية ينظر الى استخدام اسرائيل للفوسفور الابيض والمواد الكيميائية كحالة تستوجب التوثيق التقني الجنائي.

وهنا يبرز التكامل بين دور الجيش اللبناني والوزارات المعنية البيئة والزراعة في جمع العينات الميدانية وتوصيف الحالة العلمية للتربة والهواء، وبين الدور الاستشاري للهيئة الوطنية لمواد (CBRN) التي قد تساهم في تقديم المشورة حول مطابقة هذه الادلة للمعايير الدولية المتعلقة بالأسلحة المحرمة او العوامل الكيميائية الخطرة وفقا لاختصاصها. ان بناء ملف تقني يعتمد على (Chemical Signature ) البصمة الكيميائية ونتائج المختبرات الموثوقة هو المسار الوحيد لتحويل الضرر البيئي الى حجة قانونية امام المحاكم الدولية، قياسا على سابقة “تلوث نهر الدانوب” و “حرب فيتنام” (عامل الاورانج)،حيث كانت التقارير العلمية الصادرة عن لجان تخصصية هي المفصل في ادانة الدول المتسببة بالأضرار البيئية العابرة للأجيال.

 

  • هل يشكل رش مواد سامة او استخدام الفوسفور الابيض انتهاكا لاتفاقيات جنيف؟ وهل يمكن تصنيف هذه الممارسات كجرائم حرب في حال استهداف المناطق المدنية ؟

تصنف مسألة استخدام الفوسفور الابيض ورش المواد الكيميائية (مثل الغليفوسات) في النزاعات المسلحة كقضية امن قانوني وجنائي من الدرجة الاولى. ومن منظور تقني، فان الفوسفور الابيض مادة حارقة تخضع لـ “البروتوكول الثالث” لاتفاقية الاسلحة التقليدية (CCW) التي ابرمت في جنيف عام 1980 حيث يحظر استخدامه كقذائف حارقة ضد اهداف عسكرية تقع داخل تجمعات مدنية علميا يعتمد توصيف هذه الممارسات كـ “جرائم حرب” على مبدأي التمييز والتناسب. وهنا يبرز الدور الجوهري للجيش اللبناني والوزارات المعنية في التوثيق الميداني حيث يتم رصد الاثار الحيوية الكيميائية” التي تتركها هذه المواد على الاعيان المدنية والمزارع. كما وتساهم المختبرات الوطنية او الدولية المعترف بها عالميا في تقديم القراءة العلمية للعينات، لبيان ما اذا كان استخدام هذه المواد قد تم بتركيزات تهدف لأحداث اضرار بيئية جسيمة وطويلة الأمد (Widespread, long-term and severe damage)، وهو ما ترفضه اتفاقية حظر استخدام تقنيات التغيير في البيئة لأغراض عسكرية (Modification Convention ENMOD ) – (Environmental)   والتي اقرت من قبل الامم المتحدة في العام 1976. وبالاستناد الى تجارب سابقة، مثل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في شأن مشروعية الاسلحة النووية”، يتضح ان القانون الدولي الانساني يلزم الدول حماية البيئة الطبيعية اثناء النزاعات. لذا، فان تحويل التقارير المخبرية اللبنانية الى “ادلة جنائية رقمية وعلمية هو الركيزة لتصنيف هذه الانتهاكات كخرق لاتفاقيات جنيف خاصة اذا ثبت ان الهدف هو تدمير مقومات البقاء للمدنيين، مما يخرج المادة من سياقها العسكري الى سياق العقاب الجماعي والتدمير البيئي الممنهج.

 

  • هل يمكن للبنان رفع دعوى امام محكمة العدل الدولية او المحكمة الجنائية الدولية ؟

نعم يمتلك لبنان الحق السيادي في اللجوء الى الهيئات القضائية الدولية، الا ان نجاح هذا المسار يعتمد استراتيجيا على قوة “التوثيق التقني والجنائي” للأضرار. فمن منظور أمني وقانوني تعد التقارير الميدانية التي يعدها الجيش اللبناني بالتعاون مع وزارات البيئة والزراعة والصحة هي الركيزة الاساسية لبناء ملف دعوى امام محكمة العدل الدولية. يعتمد المسار القانوني هنا على تحويل البيانات العلمية الناتجة عن تحليل التربة والمياه في المناطق المستهدفة بالمواد الكيميائية والفوسفور الابيض الى ادلة جنائية دامغة تثبت انتهاك العدو للمواثيق الدولية وبالاستناد الى تجارب سابقة، مثل القرار الأممي الذي الزم اسرائيل بدفع تعويضات عن بقعة النفط” عام 2006، يتضح ان المسار القضائي يتطلب نفسا طويلا يعتمد على دقة المختبرات الوطنية في اثبات “الاثر البيئي المستدام” الذي يتجاوز الضرورة العسكرية ليصبح جريمة تدمير بيئي ممنهج. ان تضافر الجهود بين الديبلوماسية اللبنانية والتوثيق العلمي للأجهزة الامنية والوزارات المختصة هو السبيل الوحيد لضمان المحاسبة الدولية وحماية حقوق لبنان في استعادة امنه الحيوي وتعويض المتضررين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى