الشغف: نداء الروح في زمن التيه


بقلم: رنا ترّو درزي
في هذا العالم السريع، المتشابه، المعلّب، حيث نُقاس بما نُنجز، ونُصنّف بما نملك، يضيع منّا شيء جوهريّ… الشغف.
ليس الشغف ما يلمع، بل ما يُضيء من الداخل.
ليس وهجَ لحظة، بل جمرةً سرّية، تبقى حارقة في الأعماق، حتى وإن خمد كلّ ما حولنا.
الشغف ليس أن نُحسن فعل شيء، بل أن نشعر أننا لا نستطيع التوقّف عن فعله.
أن نُمارسه لا لأننا نُجيد، بل لأننا نحيا فيه.
إنه ذاك الإيقاع الداخليّ الذي لا يسمعه إلا من يصغي إلى روحه.
كلّ منّا يولد ببذرة شغف.
بعضنا يزرعها في أرضه ويسقيها صبرًا…
والبعض الآخر يتركها تتيبّس تحت ضغط العيش،
خوفًا من الحُلم، من السخرية، من الفشل، من الجوع، من الوحدة.
لكن أيّ حياةٍ تلك التي نعيشها بلا شغف؟
حياةٌ مجرّدة من الإحساس، من الدهشة، من النبض.
حياةٌ نُديرها… لا نعيشها.
الشغف لا يتطلّب الكمال، بل الصدق.
لا يحتاج إلى جمهور، بل إلى وجدانٍ لا يكذب.
هو ما يدفعك لأن تكتب ولو مزّقوا دفاترك،
أن ترسم ولو نسوا اسمك،
أن تغنّي ولو كنت وحدك،
أن تحبّ العالم رغم ما فيه.
من عاش بشغف لا يموت مجهولًا،
حتى وإن لم تُنقش اسمه على حجر،
لأنه حفره في القلوب.
الشغف لا يُعلّم في الكتب،
بل يُوقظ في لحظة صدق، في نظرة، في خيبة، في إشراق داخليّ.
هو الترجمة العميقة لسؤال: “من أنا؟”
وهو الطريق الطويل نحو جواب لا نهائيّ، لأن الشغف لا يشيخ.
في كلّ لحظة نخون فيها شغفنا، يتآكل شيء في داخلنا.
وفي كلّ لحظة نختاره، مهما بدا غير منطقيّ،
نستردّ قطعة من أرواحنا المبعثرة في زحام العالم.
فلتسألي نفسك، دائمًا:
ما الذي يجعل قلبي يضطرب؟
ما الذي لو حُرمتُ منه… لا أعود كما كنت؟
هناك يسكن شغفك.
تشبّثي به،
وامضي.
حتى لو قالوا: مجنونة، حالمة، بعيدة عن الواقع.
فالشغف هو الواقع الأعمق، هو الحقيقة الخفية، هو الإنسان حين يكون إنسانًا.
الشغف ليس حكمة… بل نار.
ولا خوف في النار إذا كانت من روحك.
إلى كل من نسي شغفه…
تذكّره، فإنه أنت.
وأنا أكتبه الآن لا لأنني أُجيد…
بل لأنني لا أستطيع إلا أن أكتب.
– رنا ترّو درزي



