لماذا قد لا ينخفض سعر البنزين والمازوت في لبنان رغم تراجع برنت؟


ليبانون ديبايت”
قد يتراجع سعر النفط عالمياً من دون أن يلمس اللبناني أي انخفاض عند محطة الوقود، إذ لم يعد السعر مرتبطاً ببرميل برنت وحده، بل بالسفينة التي تنقل المشتقات، والطريق الذي تسلكه، والتأمين المفروض عليها، والأهم بسعر البنزين والمازوت الجاهزين في الأسواق العالمية.
وتشير بيانات سوق النقل البحري إلى أن بدل استئجار بعض ناقلات النفط العملاقة تجاوز مليون دولار يومياً، فيما قفزت كلفة الشحن على بعض المسارات المتأثرة بالأزمة إلى نحو 26 دولاراً للبرميل، أي ما يوازي قرابة ربع قيمة الخام في بعض الحالات.
ولا يشكل هذا الرقم رسماً ثابتاً على كل برميل يصل إلى لبنان، لكنه يكشف حجم الفاتورة القادرة على ابتلاع أي انخفاض في أسعار النفط.
وتفاقم الضغط بعد تعطل خط النفط السعودي شرق–غرب، الذي ينقل الخام من الخليج إلى البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز. ومع تراجع قدرة هذا المسار، عادت شحنات إضافية إلى طرق بحرية أطول وأكثر خطورة، بالتزامن مع التهديدات في باب المندب وارتفاع الطلب على عدد محدود من الناقلات.
كل يوم إضافي في البحر يعني مزيداً من الوقود والتأمين والأجور، كما يقلص عدد السفن المتاحة ويرفع بدل استئجارها. وإذا اضطرت الناقلات إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، تصبح الرحلات أطول بكثير، وتتراكم الكلفة حتى تصل إلى سعر الطن المستورد، ومنه إلى جدول أسعار المحروقات في لبنان.
لكن المشكلة لا تقف عند الشحن. فلبنان لا يستورد النفط الخام لتكريره محلياً، بل يشتري البنزين والمازوت كمشتقات جاهزة. لذلك قد ينخفض سعر برنت، فيما يبقى المازوت مرتفعاً إذا تراجعت قدرة المصافي العالمية على إنتاجه أو انخفضت الكميات المتاحة للتصدير.
وهنا تدخل الضربات التي استهدفت المصافي الروسية عاملاً إضافياً. فقد أدت الهجمات بالمسيّرات إلى خفض إنتاج عدد من أكبر المصافي أو توقف أجزاء منها، وبينها منشآت أساسية لإنتاج الديزل. كما دفعت الأزمة موسكو إلى تقييد صادرات البنزين والمازوت ووقود الطائرات لتأمين حاجات سوقها الداخلية، ما سحب كميات إضافية من الأسواق العالمية. وتشير حسابات منشورة إلى أن 3 من أكبر 6 مصافٍ روسية منتجة للديزل اضطرت إلى خفض إنتاجها بصورة حادة أو وقف أجزاء منه.
وتكمن المفارقة في أن ضرب المصافي قد يضغط على سعر الخام الروسي بسبب تراجع القدرة على تكريره، لكنه يرفع في المقابل أسعار المشتقات الجاهزة نتيجة نقص إنتاجها. وبذلك يمكن أن ينخفض سعر البرميل على الشاشات، بينما يرتفع سعر طن المازوت الذي يشتريه لبنان.
ويبدو المازوت أكثر حساسية من البنزين في هذه المرحلة، نظراً إلى استخدامه الواسع في الشاحنات والمولدات والمصانع والزراعة والتدفئة والسفن. ولذلك لا يقتصر أثر ارتفاعه على كلفة تعبئة الخزانات، بل ينتقل مباشرة إلى فاتورة الكهرباء والنقل والإنتاج وأسعار السلع الغذائية والاستهلاكية.
وفي لبنان، يدخل في تسعير البنزين والمازوت سعر المشتقات المستوردة، وكلفة النقل والتأمين، وسعر الصرف، والرسوم والضرائب، إضافة إلى هوامش الشركات والمحطات. لذلك قد يتراجع برنت بضعة دولارات، فيما تبقى الصفيحة ثابتة أو تسجل ارتفاعاً جديداً.
وحسابياً، تعادل كلفة شحن تبلغ 26 دولاراً للبرميل نحو 16.4 سنتاً لكل ليتر، على أساس أن البرميل يحتوي قرابة 159 ليتراً. ولا يعني ذلك أن هذا المبلغ سيضاف كاملاً إلى كل ليتر يباع في لبنان، لأن البلاد تستورد مشتقات جاهزة وفق عقود ومسارات مختلفة، لكنه يوضح كيف تستطيع كلفة النقل وحدها محو أثر أي انخفاض في الخام.
ولا تقف المخاطر عند الأسعار. فنقص الناقلات وتراجع إنتاج المصافي وتأخر الشحنات قد يدفع المستوردين إلى تعزيز مخزونهم أو شراء كميات عاجلة بعلاوات أعلى. وإذا طال الاضطراب، قد تنتقل المشكلة من ارتفاع سعر الصفيحة إلى تهديد انتظام وصول البنزين والمازوت.
لذلك، لا يكفي أن يراقب اللبناني سعر برنت منتظراً انخفاض أسعار المحروقات. فالمؤشر الأهم بات سعر البنزين والمازوت في أسواق الاستيراد، إلى جانب كلفة السفن والتأمين وتوافر الشحنات.
المفارقة أن النفط قد يصبح أرخص عند المصدر، فيما يصل البنزين والمازوت إلى لبنان محمّلين بفواتير المصافي المعطلة والسفن النادرة ومسارات الحرب. وعندها ينخفض برنت على الشاشة، لكن السعر عند المحطة لا ينخفض.



