الارتجاع الحمضي يغير خلايا المريء لدى مرضى تصلب الجلد ويزيد خطر إصابة الرئة


كشفت دراسة جديدة أجراها علماء من Northwestern Medicine عن مؤشرات خلوية تساعد على تفسير سبب إصابة الأشخاص المصابين بالتصلب الجهازي، المعروف أيضا باسم تصلب الجلد، بمضاعفات شديدة في المريء بشكل متكرر.
وأوضحت النتائج كيف يمكن للارتجاع الحمضي المزمن أن يلحق الضرر بالبطانة الداخلية للمريء، وربما يسهم في تطور مضاعفات أكثر خطورة لدى المصابين بهذا المرض.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة JCI Insight.
وقال ماثيو داباس، الحاصل على درجة الدكتوراه والمؤلف الأول للدراسة والأستاذ المساعد للطب في قسم أمراض الروماتيزم، إن الجهاز الهضمي يعد من أكثر أجهزة الجسم تأثرا بتصلب الجلد.
تغيرات جديدة في مريء مرضى تصلب الجلد ( مصدر الصورة: Northwestern Medicine )
تصلب الجلد وتأثيره في الجهاز الهضمي
التصلب الجهازي مرض مناعي ذاتي نادر يتميز بحدوث الالتهاب وتضرر الأوعية الدموية والتليف، ويمكن أن يؤثر في الجلد وعدد من الأعضاء الداخلية.
وتعد إصابة الجهاز الهضمي من أكثر المضاعفات شيوعا للمرض، إذ يعاني كثير من المرضى من الارتجاع الحمضي الشديد وصعوبة البلع وضعف حركة المريء.
وقال داباس إن المرضى المصابين بتصلب الجلد قد يفقدون القدرة على البلع بصورة فعالة، كما يعاني كثير منهم من ارتجاع الحمض وصعوبة تناول الطعام، وهو ما يمكن أن يؤثر بشكل كبير في جودة حياتهم.
تحليل أكثر من 306 آلاف خلية
استخدم الباحثون في الدراسة تقنية تسلسل الحمض النووي الريبي أحادي الخلية لتحليل أكثر من 306 آلاف خلية مأخوذة من عينات أنسجة المريء.
وشملت العينات مرضى مصابين بالتصلب الجهازي، وأشخاصا يعانون من مرض الارتجاع المعدي المريئي، إضافة إلى أشخاص أصحاء.
ووفرت هذه الطريقة واحدة من أكثر الصور تفصيلا حتى الآن للتغيرات التي تحدث على المستوى الخلوي في مريء الأشخاص المصابين بتصلب الجلد.
وجاءت الدراسة نتيجة تعاون مستمر بين قسم أمراض الروماتيزم وقسم أمراض الجهاز الهضمي، بهدف فهم الأعراض والمضاعفات الهضمية لدى مرضى تصلب الجلد.
تغيرات في بطانة المريء
استخدم الفريق تقنيات التحليل الجيني أحادي الخلية والتحليل الجيني المكاني لدراسة النسيج الطلائي الحرشفي الطبقي، وهو النسيج الذي يشكل الطبقة الواقية التي تبطن المريء من الداخل.
وأظهرت النتائج أن المرضى المصابين بالتصلب الجهازي لديهم عدد أقل من الخلايا الناضجة في الطبقة الخارجية من بطانة المريء مقارنة بالأشخاص الأصحاء.
وكانت معظم التغيرات في نشاط الجينات متركزة في هذه المجموعة من الخلايا.
كما ارتفع نشاط جينات مرتبطة بإنتاج المصفوفة خارج الخلوية، وهي شبكة من البروتينات والمواد التي تحيط بالخلايا وتدعم بنيتها، إضافة إلى ارتفاع نشاط الجينات المرتبطة بعملية التقرن.
الارتجاع قد يكون السبب الرئيسي
كانت إحدى النتائج المهمة أن التغيرات الخلوية والجينية التي ظهرت لدى مرضى تصلب الجلد تشبه إلى حد كبير التغيرات الموجودة لدى الأشخاص المصابين بمرض الارتجاع المعدي المريئي من دون تصلب الجلد.
ويشير ذلك إلى أن كثيرا من الاضطرابات التي تظهر في بطانة مريء مرضى تصلب الجلد قد تكون نتيجة التعرض المزمن لحمض المعدة، وليس بالضرورة دليلا على أن بطانة المريء نفسها هي التي تقود عملية المرض.
وقال داباس إن التغيرات التي ترتبط بالارتجاع كانت أكثر وضوحا في الجزء العلوي من المريء لدى مرضى تصلب الجلد.
كيف يمكن أن يصل الحمض إلى الرئة؟
قد تساعد هذه النتيجة في تفسير العلاقة بين مضاعفات المريء وبعض مشكلات الرئة التي يعاني منها مرضى تصلب الجلد.
فمع ضعف حركة المريء، يمكن أن يصل حمض المعدة إلى مناطق أعلى من المريء، ما يزيد مساحة الأنسجة المعرضة للحمض.
ويرى الباحثون أن ذلك قد يؤدي إلى وصول قطرات صغيرة جدا من الحمض إلى الرئتين، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تفاقم إصابة الرئة لدى بعض المرضى.
وبذلك قد لا تقتصر مشكلة الارتجاع لدى مرضى تصلب الجلد على أعراض الجهاز الهضمي، بل يمكن أن تكون لها آثار في أعضاء أخرى.
تأثيرات خاصة بتصلب الجلد
رغم أن جزءا كبيرا من التغيرات التي طرأت على بطانة المريء بدا مرتبطا بالارتجاع الحمضي، اكتشف الباحثون أيضا إشارات بيولوجية مميزة للتصلب الجهازي نفسه.
فقد وجد العلماء اضطرابا في المسارات المنظمة للاستجابة المناعية، إلى جانب مؤشرات على زيادة التواصل بين الخلايا الليفية وأنواع أخرى من الخلايا.
والخلايا الليفية هي خلايا تلعب دورا مهما في إنتاج مكونات النسيج الضام، ويمكن أن ترتبط أنشطتها غير الطبيعية بعمليات التليف.
كما لاحظ الباحثون زيادة التفاعل بين الخلايا الليفية وخلايا العضلات الملساء، ويعتقدون أن هذا التفاعل قد يكون مرتبطا باضطراب حركة المريء لدى مرضى تصلب الجلد.
الحاجة إلى دراسة الأنسجة العميقة
أشار الباحثون إلى أن الدراسة الحالية لها بعض القيود، إذ اعتمدت على أنسجة يتم الحصول عليها أثناء الفحوص الروتينية للمريء، وهي عينات تركز بصورة أساسية على البطانة الطلائية.
ولذلك يرى العلماء أن الدراسات المستقبلية يجب أن تتجاوز الطبقة السطحية للمريء وتفحص الأنسجة الموجودة في العمق، وخاصة العضلات الملساء.
وقد يساعد تحليل هذه الأنسجة على فهم أفضل للآليات التي تؤدي إلى ضعف حركة المريء لدى المصابين بتصلب الجلد.
نحو علاج أكثر تخصيصا
قد تساعد هذه النتائج مستقبلا على تطوير طرق أكثر تخصيصا لعلاج مضاعفات تصلب الجلد الجهازي.
ويعمل داباس وزملاؤه حاليا على دراسة العوامل الوراثية التي يمكن أن تفسر سبب إصابة بعض المرضى بأعراض أكثر شدة من غيرهم.
ويأمل الباحثون أن يؤدي فهم الاختلافات الخلوية والجينية بين المرضى إلى تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للمضاعفات الشديدة وتطوير أساليب علاجية تناسب خصائص كل مريض.
تقنيات حديثة تكشف ما يحدث داخل الخلايا
يرى الباحثون أن الدراسة توضح قدرة التقنيات الحديثة على الإجابة عن أسئلة ظلت قائمة لفترة طويلة حول أمراض المناعة الذاتية المعقدة.
فبدلا من دراسة الأنسجة ككتلة واحدة، سمحت تقنيات التحليل أحادي الخلية للعلماء بفحص التغيرات التي تحدث في أنواع محددة من الخلايا، وتحديد الاختلافات في نشاط الجينات والتواصل بين الخلايا.
ويمكن أن يساعد هذا المستوى من التحليل على فهم ما يحدث فعليا داخل أنسجة المرضى، وتفسير النتائج التي لم تكن واضحة في الدراسات السابقة التي اعتمدت على نماذج حيوانية أو تحليل الأنسجة بشكل إجمالي.
مصدر الخبر: Northwestern University، نقلا عن دراسة منشورة في مجلة JCI Insight.



