مادة التاريخ في المناهج الجديدة: اعتراضات على دمجها ضمن موادّ أخرى


فاتن الحاج – الاخبار
للمرة الأولى منذ عقود، لا يعود التاريخ في مشروع المناهج الجديدة مادة مستقلّة في معظم المراحل التعليمية، بل يدخل ضمن مقاربة مُدمجة تجمعه مع الجغرافيا والاقتصاد وعلم الاجتماع. إنه انتقال من فلسفة تقوم على المواد المُستقلة إلى أخرى تقوم على التكامل بين الحقول المعرفية، ما يستدعي أسئلة تتجاوز إعادة توزيع المواد أو عدد الحصص إلى موقع مادة التاريخ نفسها: هل نحن أمام تطوير لطريقة تعلّمها أم أمام تهميشها وإضعاف دورها في بناء الهوية الوطنية والذاكرة المشتركة؟ ومن سيدرّس هذه المواد وكيف سيُعَدُّ المعلمون لهذا التحوّل؟
يعكس السلّم التعليمي (هيكل تنظيمي يحدّد المراحل الدراسية وعدد السنوات التي تتضمّنها من الطفولة المبكرة حتى التعليم الثانوي) المقترح هذا التغيير بوضوح. ففي مرحلة الطفولة المبكرة يتعرف التلامذة إلى مفاهيم أساسية في العلوم الاجتماعية والإنسانية، ثم تُدمج مواد التاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع والاقتصاد في المراحل الأساسية ضمن مادة واحدة، قبل أن تصبح في الحلقة الرابعة مادتين للدراسات الاجتماعية، فيما لا يعود التاريخ مادة مُتخصّصة إلا ضمن الرزمة التخصّصية في الصف ما قبل الأخير لمن يختار هذا المسار.
هذا التحوّل فتح الباب أمام سجال تربوي واسع. يوضح المؤرّخ الدكتور عصام خليفة، ومعه عدد من المؤرّخين والأكاديميين المتحفّظين على المشروع، أن الاعتراض على مشروع المناهج الجديدة ينطلق من اعتبارات تربوية ووطنية وقانونية، ولا يعكس رفضاً لتطوير التعليم أو تحديث مادة التاريخ. ويستند خليفة في موقفه إلى كونه عضواً في اللجنة العليا للمناهج التي كلّفها المركز التربوي للبحوث والإنماء متابعة أعمال اللجان الفرعية وإبداء الرأي فيها، إلا أنه يقول إن أعضاء اللجنة فوجئوا بإقرار المرسوم في مجلس الوزراء من دون الأخذ بملاحظاتهم أو مناقشة توصياتهم.
ويشرح أن جوهر الاعتراض يتمثّل في فقدان مادة التاريخ استقلاليتها، بعدما كانت، كما قال لـ«الأخبار»، مادة قائمة بذاتها منذ عام 1946، وحاضرة في المناهج والامتحانات الرسمية. ويرى أن المشروع الجديد أدّى إلى دمجها ضمن مواد أخرى وتقليص حضورها، بما يهدّد مكانتها التربوية ودورها في بناء الوعي الجمعي.
كذلك، يوضح خليفة أنه لا يعارض مبدأ التكامل بين المعارف، بل يعدّه جزءاً من الرؤية الحديثة لتدريس التاريخ، التي تتجاوز السرد السياسي والعسكري لتشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتربوية والديموغرافية والهجرات ودور المرأة وغيرها من الموضوعات التي تجعل المادة أكثر ارتباطاً بحياة التلامذة. إلا أنه يميّز بين التكامل الذي يثري المادة، والدمج الذي يؤدّي، بحسب رأيه، إلى تذويبها وفقدان استقلاليتها.
ويستند خليفة كذلك إلى وثيقة الوفاق الوطني التي نصّت على تطوير المناهج وتوحيد الكتاب في مادتي التربية والتاريخ، مشيراً إلى أن النص على التاريخ كمادة مستقلة يؤكد مكانتها الخاصة. ويصف مخالفة ذلك بأنها «غش وتزوير». كما يستند إلى مرسوم كلية التربية الذي يلفت إلى أنه ينص على إشراك الكلية في لجان التخطيط التربوي وإعداد المناهج، متسائلاً عمّن سيتولى تدريس المواد المُدمجة، وما إذا كانت الكلية قد شاركت رسمياً في إعدادها، ومحذّراً من غياب رؤية واضحة لإعداد المعلمين.
ويؤكد خليفة أن وظيفة التاريخ لا تقتصر على نقل المعلومات، بل تتمثّل في بناء الذاكرة الوطنية وتعزيز الانتماء والوحدة الوطنية، ولا سيما في ظل ما يشهده لبنان من أزمات وحروب وهجرة وانقسامات. ويرى أن فهم أسباب الأحداث التاريخية واستخلاص العبر منها يساعدان على تجاوز الانقسامات، بينما يؤدي تهميش المادة، من وجهة نظره، إلى إضعاف هذا الدور.
كما يرفض الطرح القائل إن دمج التاريخ يهدف إلى التخلص من الحفظ والتلقين، مؤكداً أن المعترضين لا يدافعون عن التعليم التقليدي، بل عن تاريخ حديث ومُنفتِح على العلوم الإنسانية والاجتماعية، مع الحفاظ على استقلاليته بوصفه مادة معرفية قائمة بذاتها.
ولتدعيم موقفه، يشير إلى أن فرنسا، التي تُطرح بوصفها نموذجاً في تطوير المناهج، قرّرت أخيراً البدء بتعليم التاريخ منذ الصف الأول الابتدائي بدلاً من الرابع الابتدائي، متسائلاً: إذا كانت هذه التجربة تمثّل نموذجاً يُحتذى، فلماذا لا يُستفاد منها في هذا الجانب أيضاً؟
خطوات عملية
ولمجابهة ذلك، يقول خليفة إن الاعتراض انتقل من المستوى الأكاديمي إلى خطوات عملية، إذ سيتم الاجتماع برئيس الحكومة نواف سلام اليوم، لعرض الهواجس والمطالبة بتجميد المرسوم بعدما ضمّنت هذه الهواجس في كتاب إلى سلام سبق الاجتماع معه، مع الإشارة إلى إمكان اللجوء إلى مجلس شورى الدولة للطعن فيه، إذا لم تؤخذ الملاحظات المطروحة في الاعتبار.
ويكشف خليفة عن نيةٍ للتواصل مع أساتذة التاريخ والمعلمين والجمعيات الأكاديمية خلال لقاءات عامة لشرح وجهة نظرهم. ويؤكد أن ما يخوضه ومجموعة المؤرّخين والأكاديميين ليس مواجهة مع أشخاص أو جهات، بل «معركة تربوية بامتياز»، تنطلق، بحسب تعبيره، من المصلحة الوطنية العليا، ومن قناعة بأن الحفاظ على موقع التاريخ في المناهج يشكّل جزءاً من الحفاظ على الهوية والذاكرة الوطنيتين.
المُقاربة الجديدة
في المقابل، ينطلق واضعو المنهج من فكرة مختلفة تماماً: المشكلة ليست في التاريخ، بل في طريقة تعلّمه. فالتلميذ، بحسب رؤيتهم، لم يعد بحاجة إلى معرفة مُجزّأة تفصل بين الحقول، لأن كثيراً من القضايا التي يدرسها هي بطبيعتها مُركّبة.
لذا، تقوم المقاربة الجديدة على معالجة موضوعات من زوايا متعدّدة، بحيث لا يدرس المتعلّم حدثاً تاريخياً بمعزل عن ظروفه الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية. الهدف، وفق واضعي المشروع، ليس تقليل المعرفة، بل الانتقال من حفظ المعلومات إلى القدرة على استخدامها وتحليلها.
وهنا يدخل مفهوم الكفايات: التلميذ لا يتلقّى رواية جاهزة واحدة فقط، بل يعمل على وثائق ومصادر، ويحلّل وضعيات مرتبطة بواقعه، ويبني فهمه اعتماداً على المعارف والمهارات والقيم.
السؤال الذي لم يُحسم: من سيُدرّس الدراسات الاجتماعية؟ واضعو المشروع يُقِرّون بأن الانتقال ليس بسيطاً. فالمعلم يحتاج إلى تكوين مختلف يجمع بين المعرفة في أكثر من مجال والأدوات التربوية المرتبطة بالكفايات وطرائق التعليم. ويرون أن التطبيق التدريجي للمناهج الذي سيستغرق ست سنوات حتى يُطبّق في كل المراحل الدراسية يتيح وقتاً لإعداد أساتذة متخصّصين في كليات التربية في الجامعة اللبنانية والجامعات الخاصة. وفي الانتظار، أُعدّت خطة تدريب مُكثّفة للمعلمين الموجودين لبدء التطبيق، علماً أن المعترضين يعتبرون أن هذه الجاهزية يجب أن تكون متوافرة قبل الانتقال إلى نموذج جديد.
الخلاف حول التاريخ في المناهج الجديدة لا يدور حول أهمية المادة، إذ لا يبدو أن أحداً يجادل في ذلك. النقاش الحقيقي هو حول موقعها: هل يحافظ التاريخ على استقلاله ليؤدي دوره المعرفي والوطني، أم أن دمجه ضمن العلوم الاجتماعية يمنح المتعلّم قدرة أكبر على فهم عالم أكثر تعقيداً؟ وهل مادة التاريخ وحدها هي المسؤولة عن بناء الهوية الوطنية؟



