تطورات طبية تغيّر مستقبل صحة المرأة!


دائماً ما شكّلت زيارة الطبيب تحدّياً للكثير من النساء، وغالباً ما يتضاعف هذا التحدّي لدى النساء من ذوات البشرة الملوّنة. فالتشخيص الناقص يطال طيفاً واسعاً من الحالات، من الانتباذ البطاني الرحمي إلى الفصام واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD). وفي الولايات المتحدة، يموت عدد من النساء السود يفوق بثلاث مرات نظيراتهن من النساء البيض والمنحدرات من أصول إسبانية بسبب مضاعفات متعلّقة بالحمل. ولا يزال العلم عاجزاً عن فهم كامل لصعوبات الرضاعة الطبيعية التي تواجه الكثير من النساء.
هذا الواقع ليس جديداً، فقد أظهرت الدراسات تاريخياً أن صحّة المرأة تُهمل أكثر وتُبحث أقل. لكن تقرير نشره موقع National Geographic يشير إلى تحوّل مهم: الباحثون باتوا يسدّون هذه الفجوات، ويكشفون رؤى بيولوجية جديدة تُمهّد لتشخيصات أدقّ وعلاجات أكثر تخصيصاً، من الدورة الشهرية وصولاً إلى سنّ اليأس.
في ما يأتي أبرز الاكتشافات التي تسلّط الضوء على ثورة صامتة في علم صحة المرأة:
1. النساء والفتيات يعشن اضطراب ADHD بشكل مختلف
لمدة طويلة، كان العلماء يعدّون ADHD «اضطراباً يخص الأولاد تقريباً»، كما كتبت الصحافية كايلين لينش في تقرير صدر في يناير 2024 حول الارتفاع غير المسبوق في التشخيصات لدى النساء، والذي تضاعف تقريباً بين 2020 و2022.
السبب؟ يعود جزئياً إلى الطريقة التي يظهر بها ADHD لدى النساء والفتيات. فهناك نوع غير فرط الحركة، يُعرف بالـADHD غير الانتباهي، يتميّز بـ«الافتقار إلى التنظيم، والنسيان، وصعوبة بدء المهمات أو الاستمرار فيها». ووفقاً لجوليا شختر، المديرة المشاركة لمركز النساء والفتيات المصابات بـADHD في جامعة ديوك:
«غالباً ما يُنظر إليهن كحالمات أو شاردات… أعراضهن مؤذية بالقدر نفسه، لكنها تمرّ تحت الرادار».
والنتيجة: تأخر التشخيص، وما يرافقه من آثار خطرة نفسية ومهنية واجتماعية.
2. الدورة الشهرية يمكن أن تعيد تشكيل الدماغ
فقط نصف في المئة من أبحاث تصوير الدماغ تُجرى على النساء. وهذا النقص الكبير هو ما يفسّر، كما كتب سانجاي ميشرا، اكتشاف العلماء حديثاً أن الدورة الشهرية تعيد تشكيل مناطق الدماغ المسؤولة عن المشاعر والذاكرة والسلوك وكفاءة نقل المعلومات.
الدراسات لا تؤكد ارتباط هذه التغيّرات بالتقلّبات المزاجية، لكنها تسلّط الضوء على حاجة ملحّة إلى توسيع أبحاث الدماغ لدى النساء، اللواتي ترتفع لديهن معدلات الاكتئاب وألزهايمر.
3. الغثيان الشديد أثناء الحمل قد لا يكون «غثيان الصباح»
الغثيان الصباحي شائع، لكن الخطر يكمن في الخلط بينه وبين حالة خطيرة تُسمى التقيؤ الحملي المستعصي (HG)، تصيب نحو 2% من الحوامل وتتميّز بغثيان وقيء شديدين قد يهددان الحياة.
ذكرت سام جونز أن عدداً من الأطباء استخفّوا بهذه الحالة واعتبروها «هستيريا»، ما أدى إلى إهمال الأبحاث حول علاجها. لكن الدراسات الحديثة حدّدت هرموناً مرتبطاً بالحالة وكشفت آلية تأثيره، ما يمهّد لعلاجات دقيقة شرط أن يدرك الأطباء كيفية وصفها.
4. أدوات جديدة لإنقاذ الأرواح أثناء الولادة
تموت نحو 800 امرأة يومياً حول العالم بسبب مضاعفات الحمل والولادة. وفي الولايات المتحدة، ترتفع النسبة خصوصاً بين النساء السود. لكن البحث العلمي بدأ يغيّر هذا الواقع:
● اختبار دم يتنبّأ بخطر تسمم الحمل
وافقت FDA على أول اختبار دم قادر على تحديد النساء المعرضات للخطر، وهو تقدّم مهم لأن أعراض هذا الاضطراب قد تشبه أمراضاً أخرى كثيرة.
● علاج سريع لفقر الدم
أظهر الباحثون أن مغذّي الحديد عبر الوريد لمدة 15 دقيقة يعادل تأثير أربعة أسابيع من حبوب الحديد.
● خفض خطر الإنتان بعد الولادة
كشفت التجارب أن جرعة واحدة من أزيثروميسين خلال الولادة الطبيعية تُخفّض خطر الإنتان بنسبة الثلث.
وهي كلها تطوّرات قد تنقذ حياة آلاف النساء سنوياً.
5. متلازمة «الكتف المتجمّد» حقيقية وشائعة بين النساء
تؤدي هذه الحالة المؤلمة إلى التهاب الأنسجة الضامة في الكتف وفقدان القدرة على الحركة، وقد تستمر لسنوات. وتشير التقارير إلى أن ثلاثة أرباع المصابات بها نساء.
ويرجّح الباحثون وجود علاقة بين هذه الحالة وبين انخفاض هرمون الإستروجين في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث. وتشير إحدى الدراسات إلى أن العلاج الهرموني قد يقلّل احتمال الإصابة.
رغم أن البحث ما يزال مبكراً، لكنه يفتح باباً جديداً لفهم ألم طالما اعتبر «غامضاً».
6. علاج للهبات الساخنة… قد يكون قريباً جداً
تؤثر الهبات الساخنة على 80% من النساء، مصحوبة بالتعرّق وخفقان القلب والدوار والقلق، وهي أكثر شدة لدى النساء السود والأميركيات الأصليات.
بحسب تقرير ميريل لانداو (2022)، اكتشف العلماء أن انخفاض الإستروجين يؤثر في مجموعة محددة من الخلايا العصبية في منطقة تنظيم الحرارة في الدماغ، فتطلق إشارات خاطئة تسبب الهبّات.
اليوم تُختبر أدوية تستهدف هذه الخلايا مباشرة، وقد تغيّر حياة ملايين النساء.
وتقول جينيفيف نيل-بيري، رئيسة قسم النساء والولادة في جامعة نورث كارولاينا ل National Geographic:
«من المدهش أننا لم نفهم بيولوجيا الهبات الساخنة إلا خلال العقد الأخير.»
خلاصة
يكشف تقرير National Geographic عن مرحلة مفصلية في تاريخ طبّ النساء: أبحاث تكشف، فجوات تُسدّ، وعلاجات تُطوّر. ولكن الأهم أن هذا التقدّم يذكّرنا بحقيقة بسيطة: صحة المرأة كانت مهمَلة لسنوات طويلة، والآن فقط يبدأ العلم في تصحيح هذا الخلل.




