محليات

عطار أورتاغورس ودهر لبنان العاطل

كتب عارف العبد :

من الطبيعي، أن تجتاح قادة حزب الله، موجة من الشعور المعمم بالارتياح والسرور والضحك والحبور بل والسخرية، وهي الأولى منذ مدة طويلة لم يشعر بها الحزب وقادته، بسبب الجلافة والوقاحة أو الحماقة التي كشف عنها الموفد الرئاسي الأمريكي توم باراك في حديثه المستهجن والمرفوض للصحافيين في قصر بعبدا.

والحقيقة أن باراك، الذي قاد مع زميلته مورغان أورتاغوس حملة إعلام وترويج وعلاقات عامة، لمصلحة ما ينادون به أو يحاولون، تسويقه وإقناع الرأي العام به تجاه لبنان، قد أطاح باراك به كاملا، وهو فعل كمثل من قام بحلب البقرة ومن ثم “ركل الوعاء” لكي يطيح أرضاً وعلى الرمال، بكل الحليب الذي أفرجت عنه بقرة لبنان. 

والدليل على ذلك إعادة انتعاش بسيطة وسريعة لسردية حزب الله، الذي نجح على الفور، بتجميع بعض المناصرين المضغوطين والمتأثرين من الأهالي بين صور والخيام وإجبار راعي البقر الأمريكي الجلف، على إلغاء جولته في الجنوب وعودته خائبا إلى بيروت.

عمليا تمكن باراك، عبر العرض المسرحي السخيف والمرتجل والبشع الذي قدمه في قاعة الصحافيين في قصر بعبدا الرئاسي، وبسرعة قياسية من إثبات وتدعيم سردية كانت تقول وتردد، أن الإدارة الأمريكية تحتقر اللبنانيين والعرب، ولا تهمها إلا مصلحة إسرائيل ولا تكترث لأي أمر آخر.

لا سياسة أميركية في لبنان

هذه الوقائع يؤكدها الكتاب الذي صدر عن دار سائر المشرق للدبلوماسي الأمريكي ديفيد هيل بعنوان «الدبلوماسية الأميركية تجاه لبنان: ست محطّات وأمثولاتها». حيث يظهر هذا الدبلوماسي المعجب بلبنان عبر الوقائع التي عرضها وبينها في كتابه عن ست محطات بين أميركا ولبنان استعرض فيها أكثر من قرن من الأحداث أن لا سياسة أمريكية تجاه لبنان بشكل مستقل، وأن الولايات المتحدة، تنظر إلى لبنان، وهذا طبيعي، من ضمن نظرتها للمنطقة والقوى المكونة لها.

يكشف الدبلوماسي الأمريكي، مع تفاصيل وحجج وافية كيف أن الإدارات الأمريكية كانت قد لزّمت لبنان إلى سوريا الأسد، وأن سوريا كانت تعد وتتصرف بان لبنان تحت جناحها، وهو لن يكون مزعجاَ ولا مقاوماً لأحد، عند إحلال السلام الذي كانت سوريا ستدخل فيه يوماً ما!

يطرح السؤال الآن لدى كثرين؟ هل وقع لبنان في فخ الوعود الأمريكية الساذجة والهوائية مجدداً؟ أو هل أوقعت الدبلوماسية الأمريكية المتعلقة والمتصلة بالمصالح الإسرائيلية في العمق لبنان في لجة جديدة؟

بعد غزو 1982 ونتائجه السياسية ما بعد اغتيال بشير الجميل، دخل الحكم اللبناني برئاسة شقيقه أمين مفاوضات شاقة وجدية مع إسرائيل والتي توجت باتفاق 17 أيار، الذي أقره مجلس النواب اللبناني وأسفر عن إقراره فيما بعد، خروج كثر من الحياة السياسية في لبنان، كان أبرزهم شخصين، هما الرئيس كامل الأسعد، فحل مكانه رئيس حركة أمل حسين الحسيني آنذاك، ومن ثم نبيه بري، وشفيق الوزان عند السنة، الذي حصد كل الغضب الشعبي آنذاك.

التجربة المؤلمة يومها، والتي أعطت درساً للبنانيين في التجربة مع الأمريكيين، أفادت أن الولايات المتحدة، التي شجعت وضغطت على لبنان لتوقيع الاتفاق المذكور مع إسرائيل، هي نفسها وقعت ورقة موازية مع الدولة العبرية، تقول إن اتفاق جلاء القوات الإسرائيلية عن لبنان، ينفذ لكن بعد انسحاب سوريا من لبنان، من دون إخبار لبنان بذلك مسبقاً، فوقع الحكم اللبناني يومها في الحفرة وانفجرت أزمة معروفة نتائجها.

الولايات المتحدة نفسها، ولأسباب مصلحية تتصل بالحرب في أوروبا بسبب أوكرانيا ابتسمت للثنائي الشيعي حسن نصرالله ونبيه بري وسهلت عبر سائق الميركافا عاموس هوكشتاين، توقيع اتفاق بخصوص النفط والمنطقة المتنازع عليها، وأمنت لإسرائيل الإنتاج الغازي من حقل كاريش وبقية الحقول الإسرائيلية وأمنت التصدير إلى أوروبا وخففت الضغط عن جماعتها في مواجهة روسيا.

لكن الولايات المتحدة نفسها هي التي أمنت لإسرائيل الصواريخ والقنابل الخارقة للدروع والتحصينات فسهلت اغتيال السيد حسن نصرالله في حارة حريك.

اليوم وقد حان أوان حصد نتائج الحرب عادت أمريكا وفاوضت “الأخ الأكبر” على وقف للنار وأوحت للحكم في لبنان أن إسرائيل ستقبل بخطوة من قبلها مقابل خطوة لبنان لقراره حصر السلاح بيد الدولة، عادت لتقول على لبنان نزع سلاح حزب الله لكي نبحث مع إسرائيل تنفيذ خطوة مقابلة!

الماكينة الأمريكية نفسها، السياسية والدبلوماسية، أرسلت للبنان الناشطة الجديدة والمستجدة والطموحة مورغان أورتاغوس بعباراتها الحادة والجارحة، ولكن سرعان ما أرفقتها وأبدلتها بالعم الزحلاوي الأصل طوم باراك.

 وما أن وافق لبنان الرسمي على سياسة حصر السلاح بيد الدولة، واتجه لتطبيقها، جاء من يقول ضمن الوفد الأمريكي انزعوا سلاح حزب الله لكي تباشر إسرائيل بالانسحاب!

الجهود تبخرت

في الواقع، وكما هو ظاهر الآن فإن الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة الأمريكية في لبنان لتأمين الظروف والبيئة الحاضنة لوصول سلطة جديدة متماسكة في لبنان لا تخضع لحزب الله أو إيران، قد تتبخر وتتراجع وتفشل، إذا لم تتمكن أمريكا من انتزاع خطوة من إسرائيل تسجل في خانة السلطة اللبنانية الجديدة.

وإذا كان رهان الولايات المتحدة على احترافية الرئيس نبيه بري وتفوقه الشخصي وارتفاع معدل الذكاء لديه، فان عدم الإقدام على خطوة ضغط على إسرائيل، لمصلحة لبنان، قد يطيح بكل الجهود التي بذلت لتعديل الصورة في هذا البلد لمصلحة أمريكا. 

يسجل للولايات المتحدة الأمريكية دعمها وإنقاذها لمؤسسة الجيش اللبناني من التلاشي والاضمحلال، وهي المؤسسة الحافظة للوحدة والتماسك اللبناني إلى الآن، لكن ليس جائزاً أن يسمع لبنان الرسمي، عبر الإعلام الإسرائيلي أو الشخصيات الأمريكية عن مشاريع مناطق اقتصادية في الجنوب ومناطق عازلة خالية من السكان ومصير مزارع شبعا في الحل من دون نقاش جدي مع الحكم اللبناني والذي يفترض أنه صديق.

 كل هذه الجهود الأمريكية السابقة، قد لا تبقى أو تثمر أو تنتج، إذا ما استمرت إسرائيل بالتصرف وفقاً لمصالحها وحريتها ومزاجها وإطلاق العنان للمواقف المتطرفة للمسؤولين فيها.  

وإذا كانت   مورغان أورتاغوس قد حصلت من مزين الشعر الأشهر في لبنان على تسريحة شعر مميزة وجميلة، مع أوسع مجموعة صور مع المصمم اللبناني العالمي ايلي صعب، فهذا لن يغير في واقع لبنان الصعب، أي تغيير يذكر. إذ لم يتمكن أي عطار سابقا في العالم من إصلاح ما أفسده دهر الأحداث المتدفق، لا في لبنان ولا في أي مكان آخر. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى