متفرقات

إرث رفيق الحريري… بين وهم الخلافات وحقيقة النهضة

كتبت د. رنا ترّو درزي

في زمن تتآكل فيه هيبة الدولة ويتآمر الاقتصاد على لقمة الناس، نكتشف أننا نضيّع ما هو أثمن من المال والسلطة: الإرث الذي بناه رجال دولة حقيقيون. وفي طليعتهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي لم يكن مشروعه مجرد سياسة أو سلطة، بل نهضة كاملة في بنية الوطن وروحه.

اليوم، وفي خضم الانهيار، تتقدّم إلى المشهد خلافات أشبه بضجيج يعلو على لحن التنمية الذي تركه الشهيد. هذه الانقسامات، إن تُركت لتتصدّر الواجهة، لن تمحو فقط صورة الوحدة التي جمعتها “الحريرية” السياسية، بل ستُضعف ذاكرة اللبنانيين عن مرحلة ازدهار وأمل، كانت صيدا إحدى حاضراتها الكبرى.

بهاء الحريري… بين فرصة القيادة وشروط النهضة

بهاء الحريري ليس مجرّد وريث لاسم، بل حامل لإمكانية دور سياسي–اقتصادي قادر على إحداث فارق إذا ما تحرّر من أسر الحسابات الضيقة.

في السياسة: بإمكانه أن يعيد ترتيب البيت الداخلي لتيار المستقبل، أو يصوغ إطارًا جديدًا للحضور السنّي الوطني بعيدًا عن الاصطفافات المرهقة.

في التنمية: العمل على نموذج عملي لمشاريع تُعلي قيمة الإنسان قبل الحجر.

لكن الدور لا يُمنح… بل يُنتزع بالرؤية والقرار. والرؤية الحقيقية هنا لا تكتمل إلا بثلاثة شروط:

1. تعاون وطني شامل يضع الخلافات الشخصية في الظل.

2. برنامج تنموي واقعي يعيد إطلاق ورش البنية التحتية، التعليم، والصحة.

3. خطاب جامع يحرّر السياسة من عقلية الثأر العائلي ويُعيدها إلى ميدان الخدمة العامة.

استعادة صيدا… استعادة الذاكرة

صيدا، المدينة التي شكّلت قلب المشاريع الحريرية، ليست مجرد جغرافيا. هي نموذج لما يمكن أن يحدث حين تتضافر الرؤية مع العمل. في عهد الشهيد، تحوّلت إلى ورشة مفتوحة: طرق، مدارس، مرافق، وخدمات عامة جعلت المواطن شريكًا في الحلم.

إعادة صيدا إلى مسار التنمية ليست ترفًا سياسيًا، بل واجب وطني. وهنا، يستطيع بهاء الحريري أن يثبت جدارته التاريخية: عبر مشاريع استراتيجية تُعيد الثقة، وتخلق فرص عمل، وتضع صيدا مجددًا في قلب الخارطة الاقتصادية اللبنانية.

الخاتمة… اختبار الإرث

إرث رفيق الحريري ليس شعارًا انتخابيًا ولا صفحة في كتاب الذكريات، بل امتحان مستمر لكل من يتجرأ على حمله. من يريد أن يكون وريثًا حقيقيًا، عليه أن يحمي هذا الإرث من التفكك، وأن يواصل مسيرة التنمية بلا انحرافات شخصية.

الخلافات العائلية والسياسية لن تصنع نهضة، لكنها قادرة على هدم ما بُني. أما النهضة فتحتاج إلى إرادة تضع الوطن أولًا، وتجعل من صيدا نقطة انطلاق، ومن لبنان ساحة شرف للعمل المشترك.

إذا كان رفيق الحريري قد شيّد جسور الحجر، فإن من يتولّى رايته اليوم مطالب ببناء جسور القلوب. وحين تنتصر القلوب على الصراعات، نكون قد بدأنا فعلًا باستعادة لبنان الذي حلم به. ”

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى