متفرقات

الإطفائيّةُ والتَسْخين .

الوزير السابق جوزف الهاشم

برَّدوها ، بعدما سخَّنوها ، لعلّهمْ أدركوا أننا عانينا كثيراً من التسخين ، فلم يعـد الأمر يحتملُ مزيداً من الجمر .
هل سخَّنها رئيس الحكومة نواف سلام ، وتخّنها …؟
من حيثُ المضمون : إذا كان ما جـاء في البيان الوزاري يُعتَبـرُ كُفراً ، فهو ينقل الكفرَ وليس بكافر .
من حيثُ الشكل : ربّما شاء رئيس الحكومة أن يستَنْجدَ بأمجادِ عنترة بـن شداد ، لأن السيفَ أثقلُ من الساعد .
وهل سخَّنها رئيس المجلس النيابي نبيـه بـري …؟
من حيث الشكل : لعلّ الأستاذ شاء أن يعتمد أسلوب أبي نواس في مداواة التسخين بالتسخين مخافةَ أن يتحوّل التسخين إلى لَهَـب .
من حيث المضمون : إنّ الرئيس بـري موصوفٌ بلقَب الإطفائي ، والإطفائي لا يخشى احتراق راحتيه حين يطفيءُ أجيج النار .
في النتيجة : كان من شأن أزمة التسخين أن انفرجَتْ عن لقاءات من الـودّ : بين الرئيسَيْن ، وبين رئيس الحكومة وكتلة الوفاء للمقاومة ، حتى انتقل الـودّ بالعدوى إلى وزير الخارجية الإيراني فوجّـه إلى رئيس الحكومة اللبناني دعـوةً لزيارة إيران .
السجالات بين أهل الحكم وأهل السياسة ، مهما بلغَتْ سخونتها فهي مبرَّرةٌ ديمقراطياً حين تكون البلاد في حالـةٍ من التعافي والإستقرار الأمني والسياسي .
أمّـا والبلاد تحت وطـأةِ الإحتلال ، والأرض مشحونةٌ بالبارود ، والنفوس مشحونةٌ بالتباينات والإنقسامات ، فإنّ الكأس الطافحة بغليان الماء لا تحتمل إلاّ ورقـةً من الورد .
الرأيُ العام في لبنان باتَ شديدَ الحساسية بالنسبة إلى الأحداث الخطيرة التي تحـدّد مصيرَه ، ولقد بات محكوماً حصراً أو قسْراً بمزاج القيادات ، وإنّ الإنشقاق العمودي المحموم من أعلى إلى أدنى ينعكس على القواعد الشعبية ، ويجعلها تترنّح بين النقيض والنقيض ، وليس من شأن السياسة في هذه الحال ، أنْ تتاجرَ بالشرَّ ، كمثل من يهيّـجُ الثيران ويجلس على قرونها .
والسجالات بين القيادات مهما بلغت حدّتها وشراستها تظـلّ محكومةً باللياقات ، كمثل ما كان بين الرئيس كميل شمعون والزعيم كمال جنبلاط ، وهي ليست محظورةً إلاّ إذا شكّلت خلَلاً وطنياً فتخطّتْ الشأن السياسي إلى الشأن السيادي .
الرئيس بشارة الخوري كان يتعاطف مع البريطانيين ، والرئيس إميل إده كان يتعاطف مع الفرنسيين ، ولكن كان تعاطفهما مع المنتدب وصولاً إلى تحقيق مصلحة البلاد .
ولكنّ الإنتدابات والوصايات طالما كانت تستغلّ القيادات اللبنانية بهدف التفرقـة ، فحين أسَـرَ الفرنسيون الرئيس بشارة الخوري ورفاقه في قلعة راشيا ، نصّبَ المفوض الفرنسي “هللو” إميل إده رئيساً ، فاتّهمه المندوب البريطاني “سبيرز” بالخيانة وتهريب المخدرات .(1)
الحال المسيحية لا تزال تتخبَّط بالإرث الإنتدابي بين المفوض السامي الفرنسي والمندوب البريطاني .
وهناك حالة إسلامية تتخبّط بالإرث الإنتدابي المستجـدّ .
كيف الخلاص إذاً …؟ هل سنظلّ ننقسم على أنفسنا باسم الآخر ، ونتراشق بالخطاب التخويني ، فإذا هناك لبنانيون وطنيون ولبنانيون خونـة ، لبنانيون شهداء ولبنان عملاء ..؟
وكيف نستطيع الإنصراف إلى بناء الوطن من جديد ، وإعمارهِ من جديد ..؟ إننا أولاً : في حاجة إلى فـوجٍ من الإطفائيين لا تفرّقهم جنسيّة النار .
وإننا ثانياً : في حاجة إلى الإقتداء بقول الشاعر :
فليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين “الهادمين” خرابُ .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ من مراسلات “سبيرز” إلى وزارة الخارجية : 11 تشرين الثاني 1943 .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى