متفرقات

هذا العهدُ … إذا فَشِل

الوزير السابق جوزف الهاشم

هكذا ، وبلهجة صادِمة نقول : إذا فشِلَ هذا العهد ، أوْ فشّلوه ، بما يتمتّع منْ دعمٍ لبناني وعربي ودولي عارم ، فلن يكون الفراغ الرئاسي من بعده شبيهاً بما كان في العهود السابقة ، ولن تتفرّغ لنا القوى الدولية ، تستعطف خاطرَنا ، تستجدي قياداتنا ، تستنهض انهزامَنا ، تستصرخ وطنـيّتنا ، توصلاً إلى انتخاب الرئيس الخلف .
إنّ القوى الدولية ، قد سئمتْ من هذا المخاض العسير ، وهذا الهذيان المطّـاط الذي يسود سلوكَنا السياسيَّ والشرعي ، وإنها ستغسلُ أيديها من هذا الصدّيق البريء الذي إسمه لبنان ، وتتركه ينساقُ مضَّرجاً إلى الجلجة.
بعبارةٍ أوضح ، إنَّ فشَل هذا العهد إذا حصل ، بسبب قيام الإنشقاق العمودي الذي يقسم الدولة من أعلى إلى أسفل في اتجاهين معاكسين ، فلن يؤدّي ذلك إلى عهد جديد ، بل إلى عدم وجود عهد ، وعدم وجود عهد يعني عدم وجود دولة .
قبل دستور الطائف كان رئيس الجمهورية يتحمّلُ مسؤولية الفشل والنجاح، لأن الصلاحيات التنفيذية كانت محصورة بسلطته ، وبعد الطائف الذي حصرَ الصلاحيات التنفيذية بالحكومة فقد أصبح نجاح الحكم أو فشله مرتبطاً بنجاح الحكومة أو فشلها .
هذا يعني ، أنّ على الحكم أنْ يختار معاونيه ، وأن يدعم حكمَهُ بالركائز الحكومية الأمنية والقضائية والإدارية المتآلفة مع خطاب القسم ، حتى لا تشكّل خللاً وظيفياً أو مشاكسةً لمسيرة الحكم ، بفعل الوصاية أو الأوصياء .
حتى المسيح ، في تجرُّدِه اللاّمتناهي قد اختار ثلاثة من تلاميذه : بطرس ويعقوب ويوحنا في تجلّيـهِ على الجبل .
الحاكم ، أيُّ حاكم لا تتهَّيـأ لـهُ فرصُ النجاح إذا كانت الآلـة الحكومية متنافرة فيما بينها أو خارجة على سلطته .
أليسَ هذا ما كنّا نعانيه على مدى العهود السابقة …؟
الأنظمة الرئاسية كما في الولايات المتحدة ، تمارس ما يُعرف “بنظام المغانم” الذي أقـرّه الرئيس “اندره جاكسون” والذي يسمح للحزب الفائز بأن يستولي على جميع الوظائف والمناصب الحكومية …
والنظام الديكتاتوري تتغيّـر معه الآلـةُ الحاكمة بدحرجة الرؤوس المعارضة …
والنظام الديمقراطي إذا سادت فيه الفوضى السياسية والدستورية والأمنية، ينقلب إلى ديكتاتورية مقنّعـة …
الديمقراطية عندنا على هشَاشَتها نبرّرها بديمقراطية مشوّهة ، ونسمّيها الديمقراطية التوافقية ، فيما الأمر يحتاج إلى نوع من الديمقراطية الصارمة ، أوْ إلى نوع من الإستبداد العادل الذي يترجمه الفيلسوف الفرنسي “باسكال” بالقول: “القوّة دون عـدل ظلم ، والعدل دون قـوّة عجز ، يجب الجمعُ بين العدل والقوّة، والعمل على أن يكون العادل قوّيـاً ، والقويّ عادلاً …”
على مدى السنين الخوالي ، ونحن نحلم بأن يكون عندنا دولة كمثل سائر الشعوب والأمم …
أتستغربون إذا قلت : إنّ ما نطمح إليه من إصلاحات في لبنان لا يزال مسمَّراً في التاريخ منذ الحكومة الإستقلالية الأولى …؟
البيان الوزاري لحكومة الإستقلال الأولى : 7 تشرين الأول 1943 دعا فيه الرئيس رياض الصلح إلى : “الإصلاح الإداري ، إستقلال القضاء ، دعم المرأة ، إصلاح قانون الإنتخاب ، معالجة الحالة الطائفية التي تعرقل التقدم الوطني وتشوّه سمعة لبنان …”
ومنذ 82 عاماً ، لا نزال نجتـرّ هذه الإصلاحات في كلّ بيان وزاري ، وتبقى الدولة عندنا كما يقول “إبن خلدون” : “هذه دولةٌ على المجاز أيْ إنّ لها إسمَ الدولة .”
ولا نزال نتباكى على ضريح الدولة ونستسلم لهواجس الحرب الأهلية كأنها مرضٌ عصبي ومذهبي وموسمي .
لعلّ هناك فرصـةً مع هذا العهد تحمل بعضاً من بشائر الأمـل ، فلا تُسقطوا هذه الفرصة التاريخية ، ولا تجعلوا التاريخ مـرّة جديدة يموت بالسكتة القلبية ، وأنتم تكتبون شهادة الوفاة .

عن جريدة الجمهورية : 21/3/2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى