أمن وقضاء

“الأستاذ” المزيّف في قصور العدل… آلاف الدولارات واسم مستعار واعتراف صادم: “ابني مريض”!

ليبانون ديبايت”

دخلت امرأة إلى قصر عدل بعبدا بحثاً عن العدالة، فوجدت نفسها، بحسب شكواها، ضحية عملية احتيال داخل المكان الذي قصدته لاستعادة حقوقها. أما الرجل الذي عرض مساعدتها، فلم يكن محامياً، بل شخصاً اعتاد التنقّل بين قصور العدل مرتدياً ملابس رسمية، ومستفيداً من لقب «الأستاذ» لإقناع المواطنين بقدرته على إنجاز معاملاتهم القضائية مقابل المال.

وتكشف محاضر تحقيق قضائي تفاصيل قضية مثيرة بطلها محمد جهاد زريق، الذي عُرف باسم «الأستاذ محمد البعلبكي»، وهو اسم شخصية معروفة بقربها من رئيس مجلس النواب نبيه بري وعملها مستشاراً له، من دون أن يثبت أي ارتباط لهذه الشخصية بالأفعال موضوع التحقيق.

وأقرّ زريق خلال التحقيق بأنه يعمل في السمسرة منذ عام 2013، وأن نشاطه امتدّ إلى قصري عدل بعبدا وبيروت، ومصلحة تسجيل السيارات في الدكوانة، والدوائر العقارية.

ولم يقتصر عمله على تخليص المعاملات، بل شمل متابعة ملفات قضائية وطلبات إخلاء سبيل، رغم عدم امتلاكه صفة محامٍ أو وكالة قانونية تخوّله القيام بذلك.

وكشف أنه تقاضى نحو 2500 دولار من والدة أحد الموقوفين، مقابل متابعة ملفات ابنها وطلبات إخلاء سبيله بين بعبدا وبيروت. كما أقرّ بأنه تابع أربعة أو خمسة طلبات إخلاء سبيل لأشخاص آخرين.

وبدأت خيوط القضية تتكشف بعدما تقدّمت سوسن البيروتي بشكوى، أفادت فيها بأن زريق اقترب منها داخل قصر عدل بعبدا في 22 حزيران 2026، وعرض تحويل شكواها إلى المفرزة القضائية مقابل 100 دولار.

وبعد رفضها الدفع مسبقاً، اصطحبها إلى مقهى مقابل قصر العدل، وأجرى اتصالات زعم خلالها التواصل مع موظف في مصلحة تسجيل السيارات، قبل أن يبلغها بوجود مخالفات على سيارتها بقيمة 10 ملايين و400 ألف ليرة.

وطلب تحويل المبلغ عبر تطبيق «Whish Money» إلى رقم هاتف آخر، مدعياً أنه يعود إلى الشخص الذي سيتولى تسديد المخالفات.

حوّلت المرأة المال، لكنها لم تتسلّم أي إيصال. وتوالت بعدها المواعيد المؤجلة والانتظار لساعات، قبل أن يطلب منها مبلغاً إضافياً، ما دفعها إلى تقديم شكوى والمطالبة باستعادة أموالها.

وخلال التحقيق، واجه المحققون زريق بمحادثة عبر «واتساب»، سأله فيها أحد الأشخاص: «حضرتك أستاذ محمد بعلبكي؟»، فأجاب: «أهلا نعم»، قبل أن يناقشه في تفاصيل ملفات قضائية.

وجاءت المواجهة بعدما نفى زريق تعمّد تقديم نفسه بصفة محامٍ أو استخدام الاسم المستعار، مبرّراً ذلك بأن معارفه اعتادوا مناداته بهذا اللقب.

لكن اعترافاً آخر حمل تفاصيل أكثر إثارة، إذ أقرّ بأنه كان يرتدي الملابس الرسمية ويحرص على الظهور بمظهر أنيق داخل قصور العدل، وأن المواطنين كانوا ينادونه «الأستاذ» أو «الميتر»، ظناً منهم أنه محامٍ، من دون أن يصحّح لهم هذا الاعتقاد.

وعندما سأله المحققون عن السبب، كشف أن ابنه يعاني مرضاً ويحتاج إلى عملية جراحية، وأن حاجته إلى المال دفعته إلى السكوت عن اللقب ومواصلة العمل وتحصيل العمولات.

ونفى أن تكون لديه نية الاحتيال، متمسّكاً بأن ظروفه العائلية دفعته إلى هذه التصرفات.

والمفاجأة أن زريق أقرّ أيضاً بأنه سبق أن أوقف ثلاث مرات خلال عامي 2018 و2020، من دون أن تتضح من المحضر نتائج تلك الملفات.

وكشف أنه كان يستفيد من معرفته بالموظفين وكثرة تردده على قصور العدل لحجز الأدوار وتسهيل المعاملات، لكنه نفى أن يكون أي موظف قد ساعده بصورة غير قانونية أو تلقّى منه أموالاً.

كما أقرّ باستلام مبالغ من أشخاص لقاء تسديد غرامات وفك حجز سيارات، قبل أن تتعثر المعاملات بسبب غياب التوكيلات القانونية.

وأمام هذه الوقائع، ادعى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر على زريق بجرم انتحال صفة المحامي، وأحال الملف أمام قاضي التحقيق الأول في جبل لبنان القاضية ندى الأسمر، لاستكمال الإجراءات القضائية.

وتبقى الاتهامات خاضعة للتحقيق ولقرينة البراءة، لكن القضية تثير سؤالاً يتجاوز شخص المدعى عليه: كيف استطاع رجل لا يحمل صفة قانونية ممارسة السمسرة في محيط قصور العدل طوال 13 عاماً، ومتابعة ملفات قضائية وتقاضي آلاف الدولارات، قبل أن تكشف الشكاوى حقيقة نشاطه؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى