سحوبات المودعين.. زيادة محدودة وفئات غير مشمولة


عزة الحاج حسن – المدن
لم تعد أخبار رفع سقف السحوبات للمودعين بالأخبار المُفرحة أو المطمئنة، طالما أنها تتلازم مع مسألة حسم المبالغ المسحوبة من المبلغ المُقترح سحبه من الودائع بموجب قانون الفجوة المالية والمحدّدة بـِ 100 ألف دولار. فما قيمة رفع سقف السحوبات بمبالغ زهيدة سوى أنها تساهم في تذويب الودائع تدريجياً؟
يبحث مصرف لبنان فعلياً في زيادة السحوبات الشهرية للمودعين وفق التعميمين 158 و166 بقيمة 200 دولار للأول و100 دولار للثاني. وبحسب ما يؤكد مصدر مصرفي، فإن الزيادة قد لا تكون نقداً “كاش”، إنما عبر البطاقات المصرفية.
وبصرف النظر عما إن كانت الزيادة المقترحة نقداً او عبر البطاقات المصرفية، يبقى السؤال كم ستُحدث المبالغ المقترحة فرقاً لدى المودعين في مواجهة تحديات غلاء المعيشة؟
زيادة السحوبات الشهرية للمودعين
يدرس مصرف لبنان رفع سقف السحوبات الشهرية للمودعين المستفيدين من التعميم 158 من 1000 دولار إلى 1200 دولار موزعة بين 800 دولار كاش (كما هو الحال اليوم) و400 دولار عبر البطاقة المصرفية للاستفادة منها في نقاط البيع POS بدلاً من 200 دولار حالياً. أما بالنسبة إلى المودعين المستفيدين من التعميم 166 فيجري البحث في رفع سقف سحوباتهم من 500 إلى 600 دولار موزعة بين 400 كاش (كما هو الحال اليوم) و200 دولار عبر البطاقة المصرفية بدلاً من 100 دولار حالياً.
وإن كانت مسألة إقرار رفع سقف السحوبات المصرفية للمودعين في غاية الأهمية والضرورة، إلا أنها تشكّل في الوقت عينه استنزافاً غير مباشر للودائع. فالمبلغ المرتقب زيادته إلى السقوف المالية للمودعين يكاد لا يغطي فاتورة واحدة من الفواتير الأساسية التي تتكبدها العائلات كالكهرباء والمواد الغذائية والمياه والأقساط المدرسية وسواها. فلا تبلغ القيمة الشرائية للـ 200 دولار اليوم ما كانت عليه في السنوات الأولى للأزمة (2019 – 2022) إذ ابتلع التضخم قيمتها.
تذويب ودائع
وبالنظر إلى أن من المرجّح أن تقر الزيادة لسقوف التعاميم عبر البطاقات المصرفية وليس نقداً، يشعر الكثير من المودعين بأن أموالهم تضيع هباء فلا يشعرون بسحبها، لاسيما أنهم ملزمون بالشراء من أماكن محددة تستقبل الدفع بالبطاقة المصرفية ولا تفرض عمولات على عمليات الشراء.
أما أسوأ ما يتخوف منه المودعون فهو ما بات شبه محسوم في نقاشات مصرف لبنان والحكومة، وهو اعتبار المبالغ المالية المسحوبة بموجب التعاميم 158 و166 جزءاً من المبلغ المالي الإجمالي المقترح سداده للمودعين بموجب قانون الانتظام المالي والبالغ 100 ألف دولار. ما يعني أن المودع المستفيد حالياً من التعميم 158 وبلغت قيمة سحوباته 30 ألف دولار على سبيل المثال فيستحق له بموجب قانون الانتظام المالي في حال إقراره بصيغته المطروحة سحب 70 ألف دولار فقط وليس مئة ألف، مهما بلغت قيمة وديعته.
مودعون غير مشمولين
وعلى الرغم من تواضع المبالغ المالية المسموح بسحبها بموجب التعاميم، إلا أن فئات عديدة من المودعين لا تزال حتى اليوم خارج إطار الاستفادة منها، لاسيما منهم أصحاب حسابات الادخار المعنية بالتقاعد وتعليم الأولاد. وهؤلاء هم الفئة الأكثر تهميشاً بين المودعين. فالمصارف وشركات التأمين تضغط على أصحاب بوالص الادخار لتصفيتها بخسائر كبيرة أو استردادها باللولار، وفي هذه الحالة تخسر هذه الفئة من المودعين ما يزيد عن 80 في المئة من قيمة ودائعها. وليس حال أصحاب الشركات الصغيرة بأحسن حال من فئة أصحاب الحسابات الادخارية. فتعاميم مصرف لبنان تستبعد بالكامل حسابات الأشخاص المعنويين (Corporate Accounts)، والتي تندرج تحتها جميع الحسابات التجارية المفتوحة باسم شركات (سواء هي شركات محدودة المسؤولية، تضامن، أو مؤسسات ناشئة وصغيرة)، بغض النظر عن حجم رصيدها المصرفي. حتى أن العديد من مودعي هذه الفئة لا تزيد قيم أرصدهم عن 50 ألف دولار أو 100 ألف بأحسن الأحوال.
في المحصّلة، تبقى زيادة السحوبات محدودة الأثر أمام غلاء المعيشة وغياب الحلول النهائية لأزمة احتجاز الودائع، في انتظار إقرار قانون الانتظام المالي في أقرب وقت ممكن حفاظاً على ما تبقى من قيمة شرائية لأموال المودعين.



