اقتصاد

طعن عون يفجّر سؤالاً مصرفياً: من يملك قرار إعادة هيكلة المصارف؟

ليباون ديبايت”

لم تتوقف مفاعيل الطعن الذي قدّمه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بالمادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف أمام المجلس الدستوري، بل على العكس، تزداد حدتها يوماً بعد يوم، ويعود السؤال الأساسي إلى الواجهة: هل تكفي التشريعات الجديدة لمعالجة أزمة القطاع المصرفي واستعادة الثقة به، أم أن الإصلاح الحقيقي يتطلب أيضاً إعادة النظر في البنية المؤسسية للرقابة المصرفية وآليات معالجة المصارف المتعثرة؟

في تصريحات نقلتها منصة “الشرق بلومبرغ” عن وزير المالية ياسين جابر يوم الثلاثاء، أعرب عن اعتقاده بأن “المجلس الدستوري لن يوصي بإدخال تعديلات على قانون إصلاح المصارف، رغم الطعن الذي تقدم به رئيس الجمهورية، انطلاقاً من اعتراضات تتصل بصلاحيات حاكم مصرف لبنان”، مؤكداً أن “الحكومة لا ترى أي مخالفة دستورية في القانون الذي أقرّه مجلس النواب”، ونافياً “أن يكون النص قد انتقص من صلاحيات الحاكم”. كما شدد على أن “الحكومة ماضية في مسار الإصلاح المالي”، مشيراً إلى أن “صندوق النقد الدولي يعتبر إقرار قانون إصلاح المصارف وتنفيذه خطوة أساسية في اتجاه التوصل إلى اتفاق مع لبنان، وأن أي تعديلات لا تتوافق مع المعايير الدولية قد تعرقل هذا المسار”.

وفي موازاة ذلك، تحدث جابر عن “معارضة تواجهها الحكومة من جانب مجموعات ضغط مصرفية محلية”، لافتاً إلى أن “المرحلة المقبلة ستشهد الانتقال إلى مناقشة مشروع قانون الانتظام المالي وتحديد الفجوة المالية في مجلس النواب، وهو القانون الذي يُفترض أن يرسم الإطار القانوني لمعالجة الخسائر المالية وتوزيعها”.

لكن الجدل حول المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف والطعن المرتبط بها لا ينبغي أن يبقى محصوراً في حدود التداخل بين الصلاحيات الدستورية، بل يستدعي نقاشاً أوسع حول استقلالية الرقابة المصرفية، والجهة التي ينبغي أن تتولى إدارة تعثر المصارف وإعادة هيكلتها، خصوصاً في بلد أصبح فيه مصرف لبنان نفسه جزءاً أساسياً من ملف الأزمة والخسائر.

أبو سليمان: للاستفادة من التجربة الآيسلندية

وفي هذا السياق، يطرح الخبير الاقتصادي والمالي وليد أبو سليمان، عبر “ليبانون ديبايت”، ضرورة الاستفادة من التجارب الدولية، ولا سيما التجربة الآيسلندية، التي أظهرت أهمية وجود إطار رقابي قادر على التدخل عند تعثر المصارف واتخاذ القرارات اللازمة لحماية الاستقرار المالي.

ويقول: “خلال الأزمة المصرفية التي ضربت آيسلندا عام 2008، اضطلعت هيئة الرقابة المالية بدور محوري في التعامل مع المصارف المتعثرة. ولاحقاً، أعادت البلاد تنظيم بنيتها الرقابية، فدُمجت الهيئة بالمصرف المركزي، الذي يتولى اليوم مهام الرقابة المالية إلى جانب وظائفه النقدية”.

ويضيف: “تكشف هذه التجربة أن معالجة الأزمات المصرفية لا تتوقف على إقرار القوانين فحسب، بل تتطلب أيضاً تحديداً واضحاً للمسؤوليات، وتوفير الأدوات القانونية والمؤسسية اللازمة للتدخل، بما يضمن فعالية الرقابة ويحدّ من تضارب المصالح”.

ويطرح أبو سليمان سؤالاً جوهرياً في الحالة اللبنانية: “لماذا لا يُدرس إنشاء سلطة مستقلة ومتخصصة لمعالجة أوضاع المصارف وإعادة هيكلتها، تتمتع بصلاحيات واضحة وخبرات مهنية متخصصة، وتخضع للمساءلة والرقابة القضائية؟”. ويشدد على أن “هذا الطرح لا يعني بالضرورة إضعاف مصرف لبنان أو انتزاع صلاحياته، بل إعادة توزيع الأدوار على نحو يحقق فصلاً أوضح بين السياسة النقدية، والرقابة المصرفية، والقرارات المرتبطة بإعادة هيكلة المصارف وتسوية أوضاعها. فحين تتداخل هذه الوظائف من دون ضوابط مؤسسية كافية، تزداد مخاطر تضارب المصالح، وتتراجع القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة وفعالة، ولا سيما عندما تكون الجهة الرقابية نفسها معنية بجوانب من الأزمة المالية”.

ويجزم بأن “إنشاء سلطة مستقلة لا يشكل، بحد ذاته، ضمانة للنجاح. ففاعلية أي هيئة من هذا النوع ترتبط باستقلاليتها الفعلية عن الضغوط السياسية والمصرفية، وبمعايير تعيين أعضائها، ووضوح صلاحياتها، وخضوع قراراتها للمراجعة القضائية، فضلاً عن امتلاكها الموارد البشرية والمالية اللازمة لأداء مهامها”، لافتاً إلى أن “أي إعادة تنظيم مؤسسي يجب أن تنسجم مع المعايير الدولية ومتطلبات صندوق النقد الدولي، وأن تتكامل مع قانون الانتظام المالي وتوزيع الخسائر، بحيث لا تتحول تعددية الهيئات إلى وسيلة لتشتيت المسؤوليات أو تأجيل القرارات الصعبة”.

ويعتبر أبو سليمان أنه “في المحصلة، يشكّل الطعن بقانون إصلاح المصارف محطة مفصلية لاختبار قدرة لبنان على الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها البنيوية. فالمطلوب ليس حسم الجدل حول صلاحيات حاكم مصرف لبنان فحسب، بل بناء منظومة رقابية ومؤسسية تضمن استقلالية القرار، ومحاسبة المسؤولين، ومعالجة المصارف المتعثرة وفق قواعد واضحة وعادلة”.

ويختم: “الدرس الأبرز من التجارب الدولية ليس استنساخ نموذج جاهز، بل امتلاك الإرادة لإعادة تصميم المؤسسات عندما تكشف الأزمات قصور الأطر القائمة. ففي لبنان، حيث تضررت الثقة بالقطاع المصرفي وتراكمت الخسائر على حساب المودعين والاقتصاد، لم يعد الإصلاح مجرد التزام مطلوب من صندوق النقد الدولي، بل ضرورة لاستعادة الثقة ووضع القطاع المصرفي على مسار أكثر شفافية واستدامة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى