رياض سلامة يقاتل لحماية ملايينه!


“ليبانون ديبايت”
فيما ينتظر اللبنانيون معرفة مصير أموالهم ومحاسبة المسؤولين عن انهيارها، يخوض رياض سلامة معركة قضائية لحماية أصول مرتبطة به خارج فرنسا. الحاكم السابق لمصرف لبنان، الذي أمسك بالسياسة النقدية طوال 3 عقود، ينازع اليوم في حدود اختصاص القضاء الفرنسي بالحجز على هذه الممتلكات، في مشهد يعيد طرح السؤال الأكثر إلحاحاً: أين كانت كل هذه الشراسة في الدفاع عندما كانت مدخرات الناس تتهاوى؟
وطعن محامو سلامة، في 1 تشرين الأول، أمام محكمة الاستئناف في باريس، في اختصاص القضاء الفرنسي بالحجز على أصول في المملكة المتحدة وبلجيكا، مرتبطة به وبنجله نادي عبر شركتين. وتبلغ قيمتها نحو 37 مليون يورو، وفق مصدر نقلت عنه “فرانس برس”، على أن يصدر القرار في 26 تشرين الثاني. الرقم يخص الأصول المتنازع عليها، وليس مجموع ثروته.
والانتقاد الأشد جاء من داخل المواجهة القضائية نفسها. فقد اتهم محاميا منظمة “شيربا” وتجمع ضحايا الممارسات الاحتيالية والإجرامية في لبنان، وليام بوردون وفينسان برينغارت، الدفاع باللجوء إلى “مناورات إجرائية” لتأخير اختتام التحقيق والمحاكمة. في المقابل، أثار محامو سلامة ظروف احتجازه، وقالوا إن النيابة العامة اللبنانية منعت لقاءهم به في المستشفى في 22 أيلول.
من حق سلامة أن يطعن، ومن واجب القضاء ضمان حقوق دفاعه وعلاجه. لكن احترام هذه الحقوق لا يفرض على اللبنانيين الصمت عن المفارقة القاسية: أصول مرتبطة بالحاكم السابق تُخاض لحمايتها معارك عبر الحدود، فيما أمضى المودعون سنوات يفاوضون للحصول على أجزاء من أموالهم، ويتحمّلون الخسائر والقيود والإذلال على أبواب المصارف.
أما الدولة اللبنانية، فدافعت، عبر محاميها إيمانويل داود، عن التعامل مع وقائع تبييض الأموال المشتبه بها كوحدة مترابطة بين فرنسا والخارج، لإثبات الاختصاص الفرنسي. وهذه حجة طرف في الدعوى، ينتظر القضاء حسمها.
والملف أوسع من الطعن الحالي. ففي آب 2023، فرضت الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا عقوبات منسقة على سلامة ومقربين منه. واتهمت وزارة الخزانة الأميركية سلامة باستخدام شركة “فوري أسوشيتس”، المملوكة لشقيقه رجا، لتحويل نحو 330 مليون دولار من معاملات مرتبطة بمصرف لبنان. هذه اتهامات وردت في قرار عقوبات، وليست حكماً جنائياً نهائياً.
وسلامة ينفي الاتهامات، ويقول إن ثروته تعود إلى مداخيله قبل تولّيه الحاكمية واستثماراته الخاصة، ويرفض تحميله مسؤولية الانهيار ويعتبر نفسه “كبش فداء”.
لكن رواية “كبش الفداء” لا تعفيه من تقديم حساب واضح عن مرحلة تولّى فيها أعلى مسؤولية نقدية في البلاد. والمسؤولية السياسية والمهنية عن إدارة المصرف المركزي تستحق المساءلة، بصرف النظر عمّا سيقرره القضاء في كل تهمة. اختزال النقد بحملة تستهدف شخصه يتجاهل أن اللبنانيين يطالبون بإجابات عن أموالهم وعن القرارات التي دمّرت ثقتهم بالنظام المصرفي.
والطعن في الاختصاص، مهما كانت نتيجته، لن يجيب وحده عن مصدر الأموال. كما أن الحجز عليها لا يعني مصادرتها نهائياً أو إعادتها فوراً إلى لبنان. لذلك، لا يجوز بيع المودعين وعداً جديداً باسترداد قريب، ولا تسويق أي نجاح إجرائي محتمل لسلامة بوصفه شهادة براءة.
ما يستحقه اللبنانيون هو تحقيق يصل إلى نهايته ومحاكمة تفصل في الأدلة والمسؤوليات. أما أن تبقى أصول المسؤولين محاطة بكل أدوات الدفاع، وتبقى حقوق المودعين معلّقة على انتظار بلا نهاية، فهذه فضيحة أخلاقية وسياسية لا يمحوها أي جدل حول حدود الاختصاص.



