أمن وقضاء

رياض سلامة يراوغ القضاء اليوم… لكن من يمنحه الوقت؟

“ليبانون ديبايت”

في كل مرة يُستدعى رياض سلامة إلى القضاء، لا يسأل اللبنانيون ماذا سيقول، بل يتساءلون إن كانت الجلسة ستُعقد أصلاً. فالرجل الذي ارتبط اسمه بأكبر الانهيارات المالية في تاريخ لبنان، نجح خلال السنوات الماضية في تحويل معظم استحقاقاته القضائية إلى مواعيد مؤجلة، فيما بقيت الحقيقة مؤجلة معها.

ويكتسب موعد اليوم أمام مدعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحجار أهمية إضافية لأنه يأتي بعد تأجيلين متتاليين. فالجلسة السابقة أُرجئت بسبب ارتباط قضائي مسبق، فيما كانت الجلسة التي سبقتها قد سقطت بفعل عذر طبي تقدم به سلامة. وبين تأجيل سببه القضاء وآخر سببه المدعى عليه، يبقى الملف عالقاً فيما ينتظر اللبنانيون انطلاق التحقيقات الفعلية.

اليوم يعود سلامة إلى واجهة المشهد من خلال الشكوى المقدمة ضده من حاكم مصرف لبنان كريم سعيد، والمتعلقة بعمليات اكتتاب أجريت مع شركات تبيّن لاحقاً أنها وهمية أو أعلنت إفلاسها بعد تقاضي عمولات ضخمة بلغت نحو 266 مليون دولار. وهو ملف لا يتعلق بأرقام مجردة، بل بأموال اللبنانيين وبجزء من المسار الذي أوصل البلاد إلى الانهيار المالي.

لكن المفارقة أن الأنظار لا تتجه إلى مضمون الشكوى بقدر ما تتجه إلى مصير جلسة التحقيق نفسها. فالتجارب السابقة دفعت اللبنانيين إلى الاعتقاد بأن المعركة لم تعد تدور حول الاتهامات، بل حول ما إذا كان التحقيق سيبدأ أم سيؤجل مرة جديدة.

صحيح أن سلامة يستخدم كل الوسائل القانونية المتاحة له للدفاع عن نفسه، من الأعذار الطبية إلى المراجعات القضائية ودعاوى مداعاة الدولة. لكن الحقيقة التي بات من الصعب تجاهلها هي أن الأزمة لم تعد محصورة بالوسائل التي يعتمدها المدعى عليه، بل بكيفية تعامل القضاء معها وقدرته على منع تحوّلها إلى مسار دائم لتعليق التحقيقات.

ففي أي دولة طبيعية، لا تتحول وسائل الدفاع القانونية إلى وسيلة دائمة لتعليق العدالة. أما في لبنان، فيبدو أن كل استحقاق قضائي مرتبط بسلامة ينتهي إلى النتيجة نفسها: موعد جديد، انتظار جديد، وأسئلة جديدة. فأي مدعى عليه سيسعى إلى استخدام كل ما يتيحه له القانون لتأخير ملاحقته أو تحسين موقعه الدفاعي. أما السؤال الحقيقي فهو: لماذا ينجح في ذلك؟ فسلامة لا يوقع قرارات التأجيل ولا يحدد مسار التحقيقات، بل يمارس حقوقاً قانونية متاحة له. أما الجهة التي تملك سلطة إدارة الملف ومنع تحوله إلى مسار مفتوح من التأجيلات فهي القضاء نفسه.

فبعد تأجيل سببه المدعى عليه وتأجيل سببه القضاء، باتت الأنظار تتجه إلى الجهة القادرة على كسر هذه الحلقة وإعادة الملف إلى مساره الطبيعي. فبعد سنوات من التحقيقات والاتهامات والملفات المفتوحة، لم يعد اللبنانيون يسألون ماذا سيفعل سلامة، بل ماذا سيفعل القضاء، وهل يملك الإرادة والقدرة على الانتقال من مرحلة إدارة التأجيلات إلى مرحلة إدارة المحاسبة.

اليوم يقف الجميع أمام احتمالين: إما أن يحضر سلامة ويخضع للاستجواب، وإما أن يظهر سبب جديد يؤدي إلى تأجيل الجلسة. لكن في الحالتين، يبقى الامتحان الحقيقي أمام القضاء اللبناني.

فإذا انتهى اليوم إلى تأجيل جديد، فلن يكون السؤال عن العذر المستخدم هذه المرة، بل عن المؤسسة التي يفترض بها أن تمنع تحوّل الأعذار والإجراءات إلى مسار دائم لتعطيل العدالة. عندها لن يكون الخبر أن رياض سلامة كسب وقتاً إضافياً، بل أن القضاء خسر جولة جديدة في معركة استعادة ثقة اللبنانيين.

فبعد سنوات من الانهيار وضياع الودائع، لم يعد اللبنانيون ينتظرون موعد التحقيق التالي، بل ينتظرون اليوم الذي يتحول فيه استدعاء رياض سلامة من خبر عن جلسة مؤجلة إلى خبر عن مساءلة فعلية.

يبقى السؤال: إذا كان رياض سلامة يراوغ، فمن يمنحه الوقت؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى