من احتلوا الشقيف يحذّرون: العودة إلى لبنان قد تقود إسرائيل إلى “مستنقع جديد”


أعاد رفع العلم الإسرائيلي فوق قلعة الشقيف في جنوب لبنان فتح جرح قديم داخل إسرائيل نفسها، حيث خرج قادة عسكريون خدموا في الموقع خلال سنوات الاحتلال ليحذروا من أن الإنجاز العسكري الحالي قد يتحول سريعاً إلى نسخة جديدة من “المستنقع اللبناني” الذي انتهى بانسحاب الجيش الإسرائيلي عام 2000.
وبحسب مقابلات أجراها الصحافي دودي فاطيمر ونشرتها صحيفة “معاريف” الإسرائيلية، استعاد عدد من القادة العسكريين السابقين ذكرياتهم مع الشقيف، في وقت عاد فيه الجيش الإسرائيلي إلى السيطرة على الموقع الذي لطالما شكّل رمزاً للحرب في لبنان.
وتُعد قلعة الشقيف، المشيّدة منذ القرن الثاني عشر على تلة تشرف على نهر الليطاني وأصبع الجليل، من أبرز المواقع الاستراتيجية في جنوب لبنان. وقد استخدمتها قوات منظمة التحرير الفلسطينية خلال سبعينيات القرن الماضي لقصف المستوطنات الشمالية، قبل أن يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي خلال اجتياح لبنان عام 1982 في معركة قُتل خلالها 6 جنود إسرائيليين.
العقيد المتقاعد الدكتور تسفي بركاي، أحد المشاركين في معركة احتلال الشقيف عام 1982، قلّل من القيمة الاستراتيجية المطلقة للموقع، معتبراً أن القلعة تحولت مع مرور الزمن إلى رمز أكثر منها هدفاً عسكرياً حاسماً.
وقال إن السيطرة على الشقيف ساهمت في إزالة تهديد مباشر آنذاك، لكنه شدد على أن “من يعتقد أن احتلال البوفور غيّر مسار الحرب استراتيجياً فهو مخطئ”، موضحاً أن أهمية الحرب كانت تكمن في عبور نهر الليطاني والتقدم شمالاً نحو المرتفعات الأخرى.
واستعاد بركاي تفاصيل المعركة الأولى، مشيراً إلى أنه وجد نفسه وهو في سن 24 عاماً يقود إحدى أهم المعارك بعد إصابة قائد القوة ومقتل قائد استطلاع غولاني غوني هرنيك، قبل أن يتمكن من إكمال المهمة والسيطرة على الموقع.
وفي مقارنة بين الماضي والحاضر، رأى أن حزب الله اليوم يمتلك قدرات عسكرية تفوق تلك التي امتلكتها الفصائل الفلسطينية خلال حرب 1982، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن الجيش الإسرائيلي أصبح أكثر تطوراً من الناحية العسكرية والتكنولوجية.
وحذر من أن التوغل الإسرائيلي في العمق اللبناني من دون تحقيق نتائج حاسمة قد يؤدي إلى تآكل التأييد الشعبي والعسكري للعملية، معتبراً أن أي تسوية دائمة مع حزب الله تحتاج في النهاية إلى حل سياسي وليس عسكرياً فقط.
من جهته، استعاد العقيد المتقاعد رونين إيتسيك، الذي قاد موقع الشقيف بين عامي 1994 و1995، تجربته في الموقع خلال ذروة المواجهة مع حزب الله، قائلاً إنه لن ينسى الأيام الأولى لوصوله إلى القلعة، حين كان الجنود يعيشون حالة من الإحباط والشعور بالهزيمة نتيجة نجاح عمليات حزب الله ضد القوات الإسرائيلية.
وأوضح أنه عمل على إعادة تنظيم المواقع القتالية ورفع مستوى الجهوزية، معتبراً أن ذلك ساهم في تحسين أداء القوات ميدانياً خلال تلك المرحلة.
ورغم تأكيده أن استعادة الشقيف تمنحه شعوراً بالفخر، فإنه أقر بأن البقاء الطويل في المنطقة يحمل مخاطر جدية، محذراً من العودة إلى نموذج حرب الاستنزاف التي واجهتها إسرائيل خلال سنوات وجودها في جنوب لبنان.
أما العميد المتقاعد أورين أفمان، الذي كان آخر قائد إسرائيلي لقطاع الشقيف قبل الانسحاب عام 2000، فذهب أبعد من ذلك في انتقاد القيادة السياسية الإسرائيلية الحالية.
وقال إن إسرائيل تجد نفسها عام 2026 أمام واقع يشبه إلى حد بعيد ما عاشته في أعوام 1982 والتسعينيات وبداية الألفية، معتبراً أن الإنجازات التي تحققها الوحدات العسكرية على الأرض يجري توظيفها سياسياً من دون وجود رؤية استراتيجية واضحة.
وأضاف أن الجيش الإسرائيلي حقق إنجازات عسكرية مهمة خلال السنوات الأخيرة، لكنه حذر من أن الاحتفاء بالشقيف كإنجاز استراتيجي قد يخفي غياب أي خطة سياسية واضحة لما بعد العمليات العسكرية.
ورأى أن الصور التي ينشرها الجيش الإسرائيلي من القلعة قد تتحول سريعاً إلى مشاهد لحرب عصابات دامية إذا استمر الوجود العسكري بشكل ثابت، مؤكداً أن حزب الله، رغم الضربات التي تعرض لها، لا يزال يحتفظ بقدرات عملياتية فعالة.
وختم أفمان بتوجيه انتقاد لاذع للقيادة الإسرائيلية، قائلاً إن “البوصلة الاستراتيجية ليست في القدس بل في البيت الأبيض”، في إشارة إلى أن القرار النهائي المتعلق بمسار الحرب لم يعد بيد الحكومة الإسرائيلية وحدها.
ويعكس هذا الجدل داخل إسرائيل مفارقة لافتة: فبينما يُقدَّم احتلال الشقيف كإنجاز عسكري جديد، يحذر قادة شاركوا في احتلاله والدفاع عنه سابقاً من أن الطريق نفسه قد يقود مجدداً إلى النتيجة ذاتها التي انتهت بها تجربة الاحتلال الأولى في جنوب لبنان.
المصدر: ليبانون ديبايت



