لبنان بين نار الفرقة ونور الوحدة* ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾


لبنان بين نار الفرقة ونور الوحدة*
_﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾_
كتب الشيخ أياد عبد الله
لم يكن لبنان يوماً مجرد خريطة على الجغرافيا. كان فكرة: فكرة العيش المشترك، وتجربة فريدة في تعايش الأديان والمذاهب. واليوم تمتحن هذه الفكرة امتحاناً قاسياً. وقبل البحث عن أي حل سياسي أو اقتصادي، لا بد من العودة إلى الأصل الذي يجمعنا: إنسانيتنا المشتركة، ونصوص ديننا التي تأمر بالائتلاف وتنهى عن الفرقة.
أولاً: الاختلاف آية لا علة
البشر جميعاً من أصل واحد: _﴿مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾_. والاختلاف في الدين والمذهب واللون وُجد _﴿لِتَعَارَفُوا﴾_ لا للتناحر والإقصاء.
وأكد المسيح عليه السلام هذا المعنى بقوله: _«أحبب قريبك كنفسك»_، وفسّر “القريب” في مثل السامري الصالح بأنه كل من يمد يد العون وقت الشدة، بغض النظر عن دينه أو عرقه. فالمشكلة ليست في اختلافنا، بل في طريقة تعاملنا مع هذا الاختلاف.
ثانياً: الوحدة فريضة والفرقة مهلكة
جعل القرآن الكريم الوحدة أصلاً من أصول الدين: _﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾_، وحذر من عاقبة النزاع: _﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾_. و”ذهاب الريح” كناية عن ذهاب القوة والهيبة، وهو ما يعيشه لبنان اليوم.
وشبه النبي ﷺ المؤمنين بالبنيان: _«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً»_، وقال المسيح: _«كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب»_. فالشرائع السماوية كلها متفقة: الوحدة حياة، والفرقة موت.
ثالثاً: لبنان رسالة تهددها الفتنة
قال الإمام موسى الصدر: «لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه». وقال البطريرك صفير: «لبنان أكثر من وطن، لبنان رسالة».
كانت رسالتنا أن المئذنة والجرس يرتفعان في سماء واحدة دون أن يلغي أحدهما الآخر. لكن اليوم، وباسم الطائفة، تحول التنوع إلى خلاف، والخلاف إلى عداوة. والفتنة إذا اشتعلت لا تسأل عن مذهب الضحية: _﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾_. اليوم الشيعي يدفن ابنه، والسني يدفن ابنه، والمسيحي يدفن ابنه… فأي انتصار يُشترى بدم الإخوة؟
رابعاً: التاريخ يثبت أننا قادرون على الاتفاق
ليس تاريخ لبنان كله صراعاً. بل فيه محطات مضيئة تثبت أن الوحدة ممكنة عند توفر الإرادة الصادقة:
– *عهد المتصرفية 1861-1914*: بعد أحداث 1860، قام نظام قائم على الشراكة لا الإلغاء. مجلس إداري يضم ممثلين عن الطوائف ومتصرف محايد. ونجح عقوداً لأنه اعترف بحق الجميع في الوجود والإدارة.
– *الميثاق الوطني 1943*: تنازل متبادل عند الاستقلال. المسيحيون لم يطلبوا حماية الغرب، والمسلمون قبلوا الكيان اللبناني. وبنى هذا الميثاق “سويسرا الشرق”.
– *ما بعد الحرب 1975-1990*: لقاءات دار الفتوى وبكركي، وجهود الإمام موسى الصدر في توحيد المحرومين من كل الطوائف.
الرسالة واضحة: اللبنانيون قادرون على التوافق حين يشعرون أن الخطر على الجميع.
خامساً: من النص إلى الفعل
لا تكفي العبارات. لا بد من ترجمة النصوص إلى خطوات عملية:
1. *كظم الغيظ والعفو*: _﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾_، و _«ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً»_. العفو يكسر سلسلة الانتقام.
2. *تعظيم حرمة الدم*: _«إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»_، و _«لا تقتل»_. الدم اللبناني كله حرام تحت أي شعار.
3. *الحوار بالحسنى*: _﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾_. الإعلام والمنابر مسؤولان عن لمّ الشمل أو بث الفرقة.
4. *التكافل وقت الأزمة*: الزكاة والصدقة ليست ترفاً. _«كنت جائعاً فأطعمتموني»_. في زمن الانهيار لا ينجو أحد وحده.
خاتمة: السلام أمانة
لبنان لا ينهض إلا بأهله، ولا يسقط إلا بهم. القبر لا يسأل عن طائفتك، والله لا يسألك يوم القيامة: لماذا لم تكن من حزبي؟ بل يسألك: لماذا فرقت بين أهل بلدك؟
فلنعد إلى جيرتنا الأولى: نهنئ بعضنا في الأعياد، ونعزي بعضنا في المصائب. ولنرب أبناءنا على قول الإمام علي رضي الله عنه: “الناس صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”.
_﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾_
_«السلام أترك لكم، سلامي أعطيكم»_
فالسلام أمانة. ومن فرط فيها فرط بوطنه وبآخرته.



