متفرقات

عيد… بأي حال عدت يا لبنان؟

يأتي العيد مرة جديدة على لبنان، لكنّه لا يأتي كما تأتي الأعياد إلى بقية شعوب العالم. لا يدخل هذا الوطن محمولاً على الفرح والطمأنينة، بل يصل مثقلاً بالحروب، والقلق، والانقسامات، والخوف الدائم من الغد. كأن هذا البلد كُتب عليه أن يبقى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، وأن يتحول كل موسم فرح فيه إلى محطة جديدة للوجع والأسئلة الكبرى.

عيد… وبأي حرب الآخرين على أرضنا عدت يا عيد؟
عيد… وبأي مشاريع فتنة وانقسامات طائفية عدت؟
عيد… وبأي خوف على المستقبل، وعلى الأبناء، وعلى ما تبقى من هذا الوطن عدت؟

في لبنان، لا يسأل الناس فقط عن ثياب العيد أو زيارات العائلة، بل يسألون أولاً إن كان هناك حرب جديدة تقترب، أو أزمة مالية جديدة، أو انهيار إضافي، أو موجة هجرة جديدة تحمل أبناءهم بعيداً عنهم. أصبح اللبناني يعيش وهو يشعر أن مستقبله الحقيقي لم يعد داخل حدود وطنه، بل خارجه، وكأن النجاة باتت مرتبطة بمطار أو تأشيرة أو فرصة عمل في بلاد أخرى.

ومع ذلك، يبقى السؤال المؤلم: أما يحق لهذا الشعب أن يعيش حياة طبيعية؟

أما يحق لهذا الشعب، الذي يُعتبر من أكثر شعوب العالم نجاحاً في الطب والهندسة والتعليم والثقافة والإعلام، أن يعيش بسلام كبقية شعوب الأرض؟ أما يحق لشعب حمل علم لبنان إلى كل أصقاع العالم، ونجح وأبدع ورفع اسم وطنه عالياً رغم صغر مساحة بلده وكثرة أزماته، أن يشعر ولو لمرة أن وطنه يكافئه بدل أن يعاقبه؟

هذا الشعب الذي بنى مستشفيات وجامعات وشركات ومؤسسات في العالم كله، لا يزال عاجزاً عن بناء استقرار دائم داخل وطنه. شعب علّم العالم وداوى العالم وكتب للعالم وغنّى للعالم… لكنه لم يتمكن حتى اليوم من حماية نفسه من الحروب المتكررة والانهيارات المستمرة.

أما يحق لهذا الشعب، الذي حمل هموم القضايا العربية لعقود طويلة ودفع أثمان الصراعات الإقليمية والدولية فوق أرضه، أن يستريح قليلاً من الحروب؟ أما يحق له أن يعيش دون أن يكون صندوق بريد للرسائل العسكرية والسياسية؟ دون أن يكون دائماً في قلب النار، حتى عندما لا يريد الحرب؟

لبنان الذي زرع الفرح في العالم عبر فنانيه ومبدعيه، يبدو اليوم عاجزاً عن حماية فرح شعبه نفسه. من فيروز التي ما زال صوتها يوقظ الشرق على الأمل، إلى وديع الصافي وصباح الذين صنعوا ذاكرة الفرح العربية، وصولاً إلى فرقة مياس التي أبهرت العالم بعروضها، بقي لبنان دائماً مساحة للجمال والحياة والإبداع. حتى الدبكة اللبنانية تحولت إلى رمز للفرح والانتماء للأرض والهوية. لكن خلف كل هذا الضوء، يعيش اللبناني اليوم خوفاً دائماً من المجهول.

أما يحق لشعب صنع تاريخ الصحافة الحرة في الشرق الأوسط أن يعيش بكرامة؟ هذا البلد الذي دفع صحافيوه دماءهم ثمناً للكلمة الحرة، من جبران تويني إلى سمير قصير، ومن غسان تويني إلى مي شدياق التي بقيت شاهدة حيّة على وجع لبنان، لم يكن يوماً مجرد وطن صغير، بل مساحة حرية وصوتاً للحقيقة في منطقة مليئة بالقمع والخوف.

أما يحق لهذا الشعب الذي رفع اسم لبنان في الملاعب والصالات الرياضية العالمية أن يشعر بالفخر داخل وطنه أيضاً؟ من روني صيقلي إلى فادي الخطيب، وصولاً إلى الجيل الحالي من النجوم الذين صنعوا لحظات نادرة من الفرح للبنانيين، بقي اللبناني ينجح كلما خرج إلى العالم… لكنه يصطدم دائماً بعجز وطنه عن احتضانه.

ورغم كل شيء، يبقى اللبناني عنيداً بشكل لا يشبه أحداً. في كل مرة ينهض من تحت الركام، ويحاول أن يصنع من الوجع أملاً، ومن الدموع صلاة، ومن الانهيار بداية جديدة. هذا الشعب الذي تعب من الحروب والانقسامات والهجرة والقلق، لا يزال متمسكاً بالحياة بطريقة تكاد تكون معجزة.

ربما لا يطلب اللبناني المستحيل. لا يطلب أكثر من وطن طبيعي. وطن يعيش فيه شبابه بسلام بدل أن تتحول صورهم إلى ذكريات معلقة على الجدران والطرقات. وطن يعود للحياة بدل أن يبقى مجرد “وطن نجاة” يهرب منه أبناؤه عند كل أزمة. وطن يستطيع فيه الناس أن يحتفلوا بالعيد دون خوف من الغد، ودون عدّاد حروب مفتوح فوق رؤوسهم.

ورغم كل هذا الحزن، يبقى هناك إيمان عميق بأن هذا الوطن يستحق الحياة… وأن هذا الشعب، مهما أرهقته الحروب، لا يزال قادراً على النهوض من جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى