من حكومة الوزيرين إلى المجلس الشيعي الأعلى

الوزير السابق جوزف الهاشم
ألّفها ، ألّفاها ألّفوها… كأنّهم يؤلّفون كتاب “روح الشرائع” للكاتب الفرنسي “مونتسكيو” .
لو شاء الرئيس المكلّف أنْ يلبّـي شهوة المطالب والحقائب لكان عليه أن يؤلّف حكومةً من السياسيين وحكومة من التقنيّين وحكومة من الأحزاب وحكومة من النواب وحكومة من المجانين .
عندما تتفكّك المجتمعات وتُنتهَـكُ “روح الشرائع” وتتعدّد الإنتماءات وتتلاشى الوطنيات وتقـع البلاد في الفراغات ، تصبح غير مؤهَّلة لتحكم نفسَها بنفسها .
نحن استعمرنا الدولة اغتصاباً ، فراح يحرِّرها قناصل دوليون وباتت تخضع لانتداب دولي : سياسي أمني وسيادي .
قبل العصر الميليشياوي الذي تزعّزعتْ معه قواعد الحكم وتمزّقت مذاهب، كان للسياسة عندنا قيمتُها ، وللأحزاب حرمتُها وللزعامات حجمها ، وللرئاسات هيبتها ، وكانت الحكومات عند الضرورات يغلب فيها المبدأ الوطني على الإنتماء المذهبي والمنطق العددي .
عندما تـمّ اعتقال بشارة الخوري ورياض الصلح ومعهما الوزراء ، لم يبقَ من الحكومة إلاّ حبيب أبو شهلا ومجيد إرسلان ، وفي 11 تشرين الثاني 1943 وبتوقيع حبيب أبو شهلا كرئيسٍ للوزراء بالوكالة صدر مرسوم يقضي بممارسة الصلاحيات المعطاة لرئيس الجمهورية بصورة موقَّتة وفقاً لإحكام الدستور وأصبحت الحكومة من وزيرين فقط .
الرئيس فؤاد شهاب في أوائل عهده ألّـف حكومة من أربعة وزراء : رشيد كرامي ، حسين العويني ، بيار الجميل ، ريمون إده ، وكانت تمثل الطوائف جميعها والأحزاب جميعها .
والرئيس رشيد كرامي في نيسان 1975 ألّـف حكومةً من : كميل شمعون، عادل عسيران ، مجيد إرسلان ، فيليب تقلا ، وغسان تويني ، ستة رجال يمثلون وطناً .
وإذا شئتُـم مثلاً أكثر تعبيراً في هذا المجال ، نستحضرُ مأثـرةً جليلةَ الدلائل لدى واحدٍ من الرجالات التاريخيين : “الإمام موسى الصدر عند تأسيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى اختار أن يكون لهذا المجلس هيئتان : واحدة مؤلفة من رجال الدين وأخرى مدنية منتخبة ، وقد فاز في الهيئة المنتخبة خمسة أعضاء يمثلون الأحزاب العلمانية وكان منهم شيوعيان “(1)… شيوعيان في المجلس الشيعي الأعلى .
نعم … في الأنظمة الديمقراطية غالباً ما تتولّى الأحزاب فيها الأحكام ، ولكن أيَّ نوعٍ من الأحزاب عندنا . ؟
الأحزاب عندنا مذهبية تخضع لديماغوجية الزعيم ، وتخاطب الله بعنصرية الأرض ، وهناك رؤساء أحزاب كما الأباطرة ، كل أمبراطور يحمل لقب الإلهي والمخلّص ، وغالباً ما يكون هذا المخلّص هو نفسه القاتل .
وهكذا كان الخلفاء العباسيون ، كل خليفةٍ يقترن إسمه بالله : الخليفة المعتـزُ بالله والخليفة القاهر بالله والمستبدُ بالله والمنتصر بالله .
رؤساء الأحزاب عندنا كأنهم خلفاء والأحزابُ مع أنها مذهبية فهي تمارسُ السياسة على غرار الأحزاب الفاشيّة التي هي أصلاً ضد البرلمان وتستخدمه للإستيلاء على السلطة .
الإصلاح المنشود لا يتحقق بتكرار تجارب التغيير من أعلى إلى أدنى وبواسطة تغيير الحكومات ، بل ينطلق من تغيـيرٍ بنيويّ إستنهاضيّ إلى فوق .
لا بـدّ إذاً من قانونٍ عصري وطني للأحزاب وقانونٍ عصري وطني للإنتخاب.
في الإنتظار ، على هذه الحكومة أن يكون بيانها على صورة خطاب القسم “بكلِ مندرجاته”، وعلى صورة القرار الأمـمي 1701 بكلِ مندرجاته ، وعلى صورةِ خطاب عمر بن الخطاب : “إنَّ أشقى الوُلاة مَـنْ شقِيَتْ بـهِ رعيَّـتُه” .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – كريم مروّة : جريدة النهار : 26/1/2016
عن جريدة الجمهورية
بتاريخ : 7/2/2025